في ظل ترقب إقليمي ودولي، تستضيف واشنطن هذا الأسبوع جولة ثالثة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، في محاولة من لبنان للانتقال من مرحلة التنسيق السياسي والأمني إلى اختبار مسار تفاوضي أوسع مع إسرائيل. تأتي هذه الجولة في ظل مقاربات أمريكية وإسرائيلية أكثر تحفيزاً مما يُسوّق له في بيروت، مما يضع هذه المحادثات في بؤرة الاهتمام. الجلسة الأولى، التي عُقدت يوم الخميس، تُعتبر استكمالاً للجولات السابقة وترأسها السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض. أما جلسة اليوم الأربعاء، فيُفترض أن تشكل الانتقال العملي إلى مرحلة تفاوضية أكثر اتساعاً بقيادة السفير سيمون كرم، استناداً إلى توجيهات رئاسية تركز على تثبيت وقف إطلاق النار قبل البحث في أي خطوات إضافية.
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية: سياق تاريخي معقد
إن تاريخ العلاقة بين لبنان وإسرائيل يتسم بالتوتر والصراع، حيث لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام شامل بين البلدين منذ قيام إسرائيل عام 1948. لطالما كانت الحدود البرية والبحرية بينهما مصدراً للخلافات، خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، والذي أعقبه ترسيم “الخط الأزرق” من قبل الأمم المتحدة، وهو خط انسحاب وليس حدوداً دولية معترف بها بالكامل من الطرفين. كما أن النزاع على ترسيم الحدود البحرية، والذي يشمل مناطق غنية بالغاز الطبيعي المحتمل، كان دافعاً رئيسياً لهذه الجولات التفاوضية غير المباشرة التي ترعاها الولايات المتحدة. هذه الخلفية التاريخية المعقدة، التي تشمل حروباً وصراعات متقطعة، تجعل من أي تقدم في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية خطوة ذات دلالات عميقة، تتجاوز مجرد الجوانب الفنية لترسيم الحدود.
تفاصيل الجولة الثالثة: آمال وتحديات داخلية وخارجية
يضم الوفد اللبناني إلى جانب السفير كرم كلاً من السفيرة معوض والملحق العسكري أوليفر حكمة، بينما تبقى اللجنة الاستشارية في بيروت لأداء دور الدعم السياسي والتقني ووضع آليات العمل. تضم اللجنة شوقي بونصار وعبد الستار عيسى وبول سالم، بالتوازي مع غرفة عمليات سياسية تضم شخصيات دبلوماسية وأكاديمية لمواكبة المفاوضات والتنسيق مع رئاسة الجمهورية. غير أن هذا الترتيب لا يحظى بإجماع داخلي، إذ ينفي مقربون من رئيس مجلس النواب نبيه بري وجود تنسيق كامل معه، معتبرين أن بعض الأسماء المطروحة تعكس توجهاً داخلياً للسلطة نحو تسوية مفتوحة مع إسرائيل. في المقابل، يبدو الحضور الإسرائيلي محسوباً بدقة سياسية. فتل أبيب سترسل السفير في واشنطن رويفن ليتر والمسؤول أوري ريزنيك، فيما لم يحسم بعد حضور رون ديرمر، المكلف مباشرة من بنيامين نتنياهو بالملف اللبناني. يفسر غياب ديرمر، إن ثبت، بأنه إشارة إلى أن إسرائيل لا تزال تتعامل مع الاجتماعات كمرحلة تحضيرية لا تستدعي رفع مستوى التمثيل السياسي أو التقني. تشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن الوفد سيحمل خرائط مرتبطة بالحدود وبمقترحات أمنية تقوم على تشكيل مجموعات عمل مشتركة لبنانية – إسرائيلية تحت عنوان “فصل القوات”، مع تركيز واضح على ملف حزب الله.
الأهمية الاستراتيجية للمفاوضات وتداعياتها المحتملة
تكتسب هذه الجولة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية أهمية استراتيجية بالغة على عدة مستويات. محلياً، يواجه لبنان أزمة اقتصادية خانقة، وقد يرى البعض في ترسيم الحدود البحرية فرصة لاستكشاف الموارد النفطية والغازية التي قد تسهم في إنعاش الاقتصاد. ومع ذلك، فإن الانقسامات السياسية الداخلية حول طبيعة هذه المفاوضات ودور حزب الله فيها، تمثل تحدياً كبيراً أمام أي تقدم. إقليمياً، تأتي هذه المحادثات في سياق تحولات جيوسياسية واسعة، بما في ذلك اتفاقيات التطبيع الأخيرة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. ورغم أن لبنان يؤكد أن هذه المفاوضات فنية وليست سياسية، إلا أن أي تقدم قد يفتح الباب أمام نقاشات أوسع في المستقبل، أو على الأقل يساهم في تخفيف التوتر على الحدود. دولياً، تلعب الولايات المتحدة دور الوسيط الرئيسي، وتسعى لتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في ظل التوترات المستمرة مع إيران. نجاح هذه المفاوضات قد يعزز الدور الأمريكي ويقلل من احتمالات التصعيد العسكري.
آفاق المستقبل: بين التنسيق الحذر والمسار المفتوح
في هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لشبكة “سي بي إس”، حيث تحدث عن إمكانية العمل مع لبنان “عسكرياً وسياسياً” للتخلص من حزب الله، معتبراً أن أي تسوية دائمة مرتبطة بإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، كما أكد أن الحرب مع الحزب يجب أن تستمر حتى لو انتهت المواجهة مع إيران. ورغم توصيف بعض الأوساط اللبنانية لجلسة الأربعاء بأنها “تدشين رسمي” لمسار تفاوض مباشر، فإن واشنطن لا تتبنى هذا التوصيف، بل تعتبر الاجتماعات امتداداً لمسار مفتوح سابقاً لا انتقالاً إلى مرحلة جديدة. ويعزز هذا الانطباع ربط الأمريكيين أي تطوير فعلي للمفاوضات بإمكان عقد لقاء مستقبلي بين الرئيس جوزيف عون ونتنياهو في البيت الأبيض، بالتوازي مع تساؤلات متزايدة حول مدى امتلاك الوفد اللبناني رؤية تفاوضية متماسكة قادرة على فرض شروط واضحة وفي مقدمتها وقف كامل لإطلاق النار. يبقى التحدي الأكبر هو التوفيق بين المصالح المتباينة والضغوط الداخلية والخارجية، لضمان أن تكون هذه الجولات التفاوضية خطوة حقيقية نحو الاستقرار وليس مجرد جولات شكلية.


