كشف مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى أن الرئيس دونالد ترمب يفكر بجدية في استئناف العمليات القتالية ضد إيران، وذلك وفقًا لما نقلته شبكة “سي إن إن”. يأتي هذا التطور في ظل تشكيك متزايد في موقف طهران، وبعد اجتماع لمجلس الأمن القومي حذر فيه المسؤولون من أن صبر الرئيس ترمب قد نفد، وأن هذه قد تكون فرصة إيران الأخيرة لتجنب تصعيد خطير.
وأكدت مصادر مطلعة على المناقشات أن الرئيس بات أقل صبرًا تجاه استمرار إغلاق مضيق هرمز، ويرى أن الانقسامات داخل القيادة الإيرانية تعيق قدرتها على تقديم تنازلات جوهرية في المحادثات النووية. وقد وصف ترمب الرد الإيراني الأخير على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب بأنه “غير مقبول تمامًا” و”غبي”، مما دفع عددًا من المسؤولين إلى التشكيك في مدى استعداد طهران لاتخاذ موقف تفاوضي جاد.
ولفتت المصادر إلى وجود معسكرات مختلفة داخل الإدارة الأمريكية بشأن كيفية المضي قدمًا. فبينما يدعو البعض، ومن بينهم مسؤولون في البنتاغون، إلى نهج أكثر تشدداً لزيادة الضغط على إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات، بما في ذلك شن ضربات محددة تزيد من إضعاف موقفها، لا يزال آخرون يدفعون باتجاه منح المسار الدبلوماسي فرصة حقيقية. ويشعر ترمب بالإحباط، ويبدي الكثيرون في محيطه رغبتهم في أن يكون الوسطاء، مثل باكستان، أكثر صراحة ومباشرة في تواصلهم مع الإيرانيين، مشككين فيما إذا كانت الرسائل تُنقل بشكل حاسم بشأن استيائه من مسار المحادثات.
وقال مصدران إن بعض مسؤولي الإدارة يعتقدون أيضًا أن باكستان تنقل للولايات المتحدة صورة أكثر إيجابية عن الموقف الإيراني مما يعكسه الواقع. وأفاد مسؤول إقليمي، أمس الاثنين، بأن هناك تحركات مكثفة من دول المنطقة ومن باكستان لإيصال رسالة إلى الإيرانيين مفادها أن ترمب يشعر بالإحباط وأن هذه هي الفرصة الأخيرة لهم للانخراط بجدية في الدبلوماسية.
ولفت المسؤول إلى أن الولايات المتحدة وإيران تعملان وفق مستويات مختلفة من التحمل وجداول زمنية متباينة في نهجهما تجاه المفاوضات، مشيرًا إلى أن طهران صمدت أمام ضغوط اقتصادية لعقود. ولم يتخذ قرار كبير قبل زيارة الصين، وكان ترمب قد اجتمع مجددًا مع فريقه للأمن القومي في البيت الأبيض، الاثنين، لبحث الخيارات المستقبلية. واستبعدت مصادر مطلعة على المحادثات اتخاذ قرار كبير بشأن المسار القادم قبل مغادرة ترمب إلى الصين، المقررة بعد ظهر اليوم (الثلاثاء)، حيث يعول الرئيس الأمريكي الذي من المرتقب أن يصل بكين غدًا (الأربعاء)، على الدور الصيني للضغط على طهران بهدف تليين موقفها ودفعها إلى تقديم تنازلات لإنهاء الحرب التي تفجرت في 28 فبراير الماضي.
جذور التوتر: نظرة تاريخية على العلاقات الأمريكية الإيرانية
إن التوتر الحالي بين واشنطن وطهران ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لعقود من العلاقات المعقدة التي بدأت مع الثورة الإيرانية عام 1979 واحتجاز الرهائن الأمريكيين. تصاعدت حدة التوترات بشكل كبير مع البرنامج النووي الإيراني، الذي أثار قلق المجتمع الدولي لعقود. في عام 2015، تم التوصل إلى الاتفاق النووي التاريخي (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) بين إيران والقوى العالمية، والذي هدف إلى تقييد قدرات إيران النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. ومع ذلك، انسحب الرئيس ترمب من هذا الاتفاق في مايو 2018، معتبرًا إياه “معيبًا” وغير كافٍ لكبح جماح طهران في مجالات أخرى مثل برنامج الصواريخ الباليستية ودعم الوكلاء الإقليميين. أعقب الانسحاب إعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية، مما أدى إلى تدهور حاد في الاقتصاد الإيراني وزيادة التوترات في المنطقة، ووضع الأساس للوضع الحالي الذي يرى فيه البعض أن فرصة إيران الأخيرة للدبلوماسية تلوح في الأفق.
تداعيات الأزمة: بين التصعيد الدبلوماسي والمخاطر الإقليمية
إن التهديد بنفاد صبر الرئيس ترمب واحتمال استئناف العمليات القتالية يحمل في طياته تداعيات خطيرة تتجاوز حدود البلدين. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى زعزعة استقرار منطقة الخليج بأكملها، التي تعد شريانًا حيويًا لإمدادات النفط العالمية. إغلاق مضيق هرمز، الذي هددت به إيران في السابق، سيكون له تأثير كارثي على أسعار النفط والاقتصاد العالمي. دول المنطقة، التي تعيش بالفعل في حالة من التوتر، ستكون الأكثر عرضة لتداعيات أي صراع. دول مثل باكستان والصين، التي تحاول التوسط، تدرك حجم المخاطر وتعمل على دفع الأطراف نحو حل دبلوماسي. دول الخليج، بدورها، تراقب الوضع بقلق بالغ، وتسعى لضمان أمنها واستقرارها. على الصعيد الدولي، فإن فشل الدبلوماسية قد يؤدي إلى أزمة إنسانية واقتصادية واسعة النطاق، ويضع المجتمع الدولي أمام تحديات أمنية غير مسبوقة. لذا، فإن الدعوات إلى اغتنام فرصة إيران الأخيرة للحوار الجاد ليست مجرد تحذيرات، بل هي محاولات يائسة لتجنب كارثة محتملة قد تغير وجه الشرق الأوسط والعالم.


