في أمسية أدبية وثقافية استثنائية، استضافت الأوساط الثقافية الروائية والقاصة السعودية سعاد عسيري، في حوار معمق تناول موضوع وعي المرأة في مواجهة سردية المجتمع. الأمسية، التي أقيمت بالتعاون مع الشريك الأدبي، سلطت الضوء على تجارب عسيري السردية وعوالمها الإبداعية، وأهم المحطات في مسيرتها الأدبية الحافلة. وقد ركزت الروائية في حديثها مع جمهور الأمسية على قدرة الروائية النسائية المعاصرة على مواجهة السرديات التقليدية وكشف القضايا الشائكة في المجتمع بجرأة فنية وعمق فلسفي، ضمن قالب إبداعي متجدد، محولةً دور المرأة من مجرد “موضوع” إلى “ذات” واعية ومؤثرة.
تاريخ المرأة في الأدب العربي: رحلة من التهميش إلى التمكين
لطالما كانت قضية حضور المرأة وصوتها في الأدب العربي محور نقاشات واسعة، حيث مرت الكتابة النسائية بمراحل متعددة، بدأت من محاولات خجولة في ظل مجتمعات أبوية، وصولاً إلى مرحلة التمكين والجرأة في طرح القضايا المصيرية. ففي بدايات القرن العشرين، كانت الكاتبات الرائدات يواجهن تحديات جمة، من قيود اجتماعية وثقافية إلى صعوبة النشر والاعتراف. ومع تطور المجتمعات وتزايد الوعي بأهمية دور المرأة، بدأت الأصوات النسائية تتصاعد، لتكسر الحواجز وتفرض وجودها بقوة في المشهد الأدبي. هذا التطور لم يكن مجرد إضافة كمية، بل كان تحولاً نوعياً في طبيعة السرد، حيث بدأت الكاتبات يتناولن قضايا المرأة من منظور داخلي عميق، يكشف عن تعقيدات التجربة الأنثوية وصراعاتها مع السرديات المجتمعية الجاهزة.
وعي المرأة في مواجهة سردية المجتمع: الأدب كمرآة ومنصة للتغيير
تكتسب الأمسيات الثقافية التي تتناول قضايا مثل وعي المرأة في مواجهة سردية المجتمع أهمية بالغة، فهي ليست مجرد لقاءات أدبية، بل هي منصات فكرية تسهم في تشكيل الوعي العام وتعميق النقاش حول قضايا محورية. إن الأدب، بصفته مرآة تعكس الواقع وتشكله في آن واحد، يمتلك القدرة على إحداث تغييرات ثقافية واجتماعية عميقة. فعندما تتناول الروائية قضايا المرأة بوعي ونقد، فإنها لا تقدم مجرد حكايات، بل تسهم في تفكيك البنى الفكرية السائدة وتحدي القوالب النمطية التي قد تحد من طموحات المرأة ودورها. هذا التأثير يمتد ليشمل المستويات المحلية والإقليمية، حيث تلهم هذه الأعمال نساء أخريات للتعبير عن ذواتهن وتجاربهن، وتدفع المجتمعات نحو إعادة التفكير في أدوار الجنسين والعلاقات الاجتماعية.
رؤية الكاتبة: التخطيط لما لا يُكتب وتطوير الأدوات
أكدت الروائية سعاد عسيري لجمهور أمسيتها على أهمية أن “يُخطط الكاتب لما لا يكتب”، وأن يكون حريصاً على تنويع إنتاجه الأدبي وتطوير أدواته باستمرار. كما شددت على كيفية توظيف البيئة المحلية لتقديم دراما اجتماعية محلية ذات وعي إنساني عام، مما يساعد القلم النسائي السعودي في تجاوز حدود البدائية إلى التكتيك السردي الإبداعي والاهتمام بالموروث الشعبي للمنطقة. هذه الرؤية تعكس فهماً عميقاً لدور الكاتب كفنان ومفكر، لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يسعى إلى بناء عوالم فنية تعكس الواقع وتتجاوزه نحو آفاق أرحب من الفهم والإدراك.
أعمال رائدة وتفاعل جماهيري
تحدثت عسيري أيضاً عن عوالم رواياتها، ومنها روايتها “نبيّة وبيوت الموت”، وعبرت عن سعادتها باستقبال الجمهور والنقاد لتلك الرواية، وما حظيت به كإصدار روائي أول لها من احتفاء نقدي بدأ من القاهرة، التي شهدت ندوة نظمها اتحاد الكتاب المصريين، وشارك فيها نخبة من النقاد والأدباء. كان الحديث مطولاً حول شخصيات الرواية وحضور المكان والتراث في تفاصيلها، مما يؤكد على قدرة عسيري على نسج عوالم روائية غنية بالتفاصيل الثقافية والإنسانية.
الرسالة الأدبية: أداة لبناء الفكر والوعي
اختتمت عسيري حديثها بالتأكيد على أن الكاتب لابد أن يكون لديه رسالة معينة يحاول إيصالها عبر ما يكتبه للجمهور من خلال القصة القصيرة والرواية. فالكاتب ليس دوره أن يكون مصلحاً اجتماعياً مباشراً، بل هو يطرح قضية معينة بطريقة إبداعية وفنية، إضافة إلى إبراز أهمية الكتابة في تعزيز الوعي وبناء الفكر. وقدمت شكرها وتقديرها للحضور الذي شارك في هذه الفعالية الثقافية والأدبية، مؤكدة أن اللقاء شكل تجربة ثقافية جميلة ومثمرة.


