كشف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب عن تطور مفاجئ في العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وكوبا، معلنًا أن هافانا طلبت المساعدة من واشنطن. هذا الإعلان، الذي جاء عبر منشور على منصة “تروث سوشيال”، أثار موجة من التكهنات حول طبيعة هذه المساعدة وما إذا كانت قد تفتح الباب أمام سيناريوهات غير مسبوقة، بما في ذلك احتمال الغزو الأمريكي لكوبا. لم يقدم ترمب أي تفاصيل إضافية حول طبيعة الطلب الكوبي أو كيفية استجابة الولايات المتحدة، مكتفيًا بالقول إن “الولايات المتحدة ستتحدث معها”. هذا الغموض، إلى جانب التصريحات السابقة لترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو، يزيد من المخاوف بشأن مستقبل الجزيرة الكاريبية.
جذور التوتر: تاريخ معقد بين واشنطن وهافانا
تتسم العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا بتاريخ طويل ومعقد من التوتر والتدخلات، يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر. بعد الحرب الإسبانية الأمريكية عام 1898، أصبحت كوبا تحت النفوذ الأمريكي بشكل كبير، وتجسد ذلك في تعديل بلات الذي منح واشنطن حق التدخل في الشؤون الكوبية. ومع قيام الثورة الكوبية عام 1959 بقيادة فيدل كاسترو، والتي أطاحت بنظام فولغينسيو باتيستا المدعوم من الولايات المتحدة، دخلت العلاقات مرحلة جديدة من العداء الصريح. تصاعد هذا العداء خلال الحرب الباردة، وبلغ ذروته في أزمة خليج الخنازير عام 1961 وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي كادت أن تشعل حربًا نووية عالمية. منذ ذلك الحين، فرضت الولايات المتحدة حصارًا اقتصاديًا شاملاً على كوبا، استمر لعقود، بهدف إضعاف النظام الشيوعي. ورغم محاولات التقارب القصيرة خلال إدارة أوباما، التي شهدت استئناف العلاقات الدبلوماسية، إلا أن إدارة ترمب عادت لتشديد العقوبات والضغط على هافانا، مما أعاد العلاقات إلى مربع التوتر الأول.
تصعيد الضغوط: عقوبات جديدة وتحركات عسكرية
في منشوره المثير للجدل على “تروث سوشيال”، وصف ترمب كوبا بأنها “دولة فاشلة وتتجه في اتجاه واحد فقط — نحو الانهيار!”، مؤكدًا أن “كوبا تطلب المساعدة، ونحن سنتحدث!”. هذه التصريحات جاءت في سياق تصاعد ملحوظ في خطاب الإدارة الأمريكية السابقة تجاه كوبا، حيث أعرب وزير الخارجية ماركو روبيو عن مخاوف متزايدة من تحول التهديدات بغزو الجزيرة الكاريبية إلى واقع فعلي. وأفاد موقع “أكسيوس” أن ترمب يزيد الضغوط على الحكومة الكوبية، محذرًا من أن أي تدخل عسكري أمريكي في كوبا سيمثل أخطر مواجهة بين واشنطن وهافانا منذ أزمة الصواريخ عام 1962. كما كشف تحليل لشبكة CNN لبيانات الرحلات الجوية عن تزايد طلعات الاستطلاع والمراقبة الأمريكية قبالة السواحل الكوبية منذ فبراير الماضي، مما يشير إلى تصعيد عسكري محتمل. وقد فرضت واشنطن عقوبات إضافية على هافانا، وصفها وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز بأنها “عقاب جماعي ذو طبيعة إبادية جماعية”. وتواجه الجزيرة أزمة إنسانية متفاقمة، تحمل السلطات الكوبية مسؤوليتها إلى ما تصفه بـ”الحصار النفطي” الأمريكي، الذي يمنع موردي النفط من تزويد البلاد بالإمدادات اللازمة، وتفاقمت الأوضاع بعد فقدان كوبا لأحد أبرز مصادرها من النفط إثر اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
سيناريوهات محتملة: هل الغزو الأمريكي لكوبا وشيك؟
على الرغم من التصعيد، يشير تقرير “أكسيوس” إلى عدم وجود مؤشرات حاسمة على أن ترمب سيتجه نحو استهداف كوبا عسكريًا في المرحلة القادمة. وقد نقل الموقع عن الرئيس البرازيلي لويس إيناسيولولا دا سيلفا قوله إن ترمب أبلغه بشكل خاص خلال اجتماع مغلق في البيت الأبيض بأنه لا ينوي الغزو الأمريكي لكوبا. ومع ذلك، أبدى ترمب مرارًا اهتمامه بخيار التحرك العسكري، ملمحًا إلى إمكانية نشر حاملة طائرات قبالة السواحل الكوبية، واصفًا النظام الاقتصادي الكوبي بأنه “فاشل ولا يمكن إصلاحه”، وهو ما كرره ماركو روبيو الذي وصف الكوبيين بأنهم “شيوعيون غير أكفاء”. ونقل “أكسيوس” عن مسؤول في البيت الأبيض قوله إن “كوبا دولة فاشلة أُديرت بشكل كارثي للغاية لسنوات طويلة، وإن حكامها تلقوا ضربة كبيرة بعد فقدان الدعم من فنزويلا”، مضيفًا: “كما صرّح الرئيس، كوبا دولة فاشلة، وستسقط خلال فترة قصيرة، وسنكون هناك لمساعدتهم”. يستبعد مراقبون أن يرسل ترمب قوات برية، لكنهم لا يستبعدون اللجوء إلى “عملية عسكرية عن بعد” على غرار ما حدث في إيران، بهدف إحداث صدمة داخل النظام وإضعاف القيادة، وربما خلق فرصة لظهور قيادة جديدة. ويرجح هؤلاء أن يكون يوم 20 مايو الجاري، وهو يوم استقلال كوبا الذي مثل نهاية الاحتلال الأمريكي للجزيرة، موعدًا محتملاً لأي تطور.
تداعيات إقليمية ودولية: مستقبل كوبا في الميزان
إن أي تصعيد عسكري أو حتى سياسي كبير تجاه كوبا يحمل في طياته تداعيات إقليمية ودولية واسعة. فكوبا، بحكم موقعها الجغرافي في منطقة الكاريبي، تلعب دورًا في استقرار المنطقة. قد يؤدي تفاقم الأزمة الإنسانية إلى موجات هجرة جديدة، مما يضع ضغطًا إضافيًا على دول الجوار والولايات المتحدة نفسها. على الصعيد الدولي، يمكن أن يؤدي أي تدخل أمريكي إلى ردود فعل من قوى عالمية أخرى مثل روسيا والصين، اللتين تربطهما علاقات تاريخية واقتصادية مع كوبا، مما قد يحول الأزمة إلى ساحة صراع نفوذ أوسع. إن مستقبل كوبا، سواء كان عبر انهيار داخلي أو تدخل خارجي، سيعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في أمريكا اللاتينية ويؤثر على توازن القوى في المنطقة.


