في خطوة تعكس التزام المملكة العربية السعودية بتعزيز قدراتها الدفاعية والاقتصادية، كشفت أحدث البيانات عن مساهمة قطاع الصناعات العسكرية في الناتج المحلي الإجمالي بمبلغ 6.67 مليار ريال بنهاية عام 2024. يأتي هذا الإنجاز في سياق الجهود المتواصلة نحو توطين الصناعات العسكرية السعودية، وهو محور أساسي ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 الطموحة. وقد شهدت الرياض مؤخراً اجتماعاً تنسيقياً ثالثاً للجنة الوطنية للصناعات العسكرية، في مقر اتحاد الغرف السعودية، بحضور محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية المهندس أحمد عبدالعزيز العوهلي، ورئيس اللجنة سلمان الشثري، وممثلين عن كبرى الشركات العاملة في القطاع، لمناقشة التقدم المحرز وسبل تسريع وتيرة التوطين.
رؤية استراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي
لطالما اعتمدت المملكة العربية السعودية تاريخياً على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الدفاعية، مما كان يشكل عبئاً اقتصادياً ونقطة ضعف استراتيجية. ومع إطلاق رؤية المملكة 2030، جاءت مبادرة توطين الصناعات العسكرية السعودية كركيزة أساسية لتحويل هذا الواقع. تهدف الرؤية إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية محلية قادرة على تلبية جزء كبير من المتطلبات العسكرية للمملكة، وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب. في هذا الإطار، تأسست الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) لتكون الجهة المنظمة والممكّنة للقطاع، وتعمل على وضع السياسات والتشريعات التي تدعم نمو الشركات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. كما يبرز دور اللجنة الوطنية للصناعات العسكرية، التي تشكلت في مارس 2024 تحت مظلة القطاع الخاص، كشريك استراتيجي للهيئة في تحقيق هذه الأهداف الطموحة.
تأثيرات اقتصادية واستراتيجية بعيدة المدى
إن مساهمة قطاع الصناعات العسكرية بمبلغ 6.67 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي ليست مجرد رقم، بل هي مؤشر على الأثر الاقتصادي المتنامي لهذه الصناعة. يتجاوز هذا الأثر مجرد توفير المعدات الدفاعية ليشمل خلق فرص عمل نوعية للمواطنين السعوديين في مجالات الهندسة والتصنيع والبحث والتطوير. كما يسهم في نقل التقنيات المتقدمة وتوطين المعرفة، مما يعزز الابتكار ويفتح آفاقاً جديدة للتنويع الاقتصادي بعيداً عن النفط. على الصعيد الاستراتيجي، يعزز توطين الصناعات العسكرية السعودية الأمن القومي للمملكة عبر ضمان استمرارية الإمدادات الدفاعية حتى في أوقات الأزمات، ويقلل من التبعية للأسواق الخارجية. هذا التوجه لا يعزز فقط قدرة المملكة على حماية مصالحها، بل يضعها أيضاً كلاعب إقليمي ودولي مؤثر في مجال الصناعات الدفاعية، مع إمكانية التصدير مستقبلاً وتشكيل شراكات استراتيجية دولية.
تقدم ملحوظ نحو تحقيق المستهدفات
أشاد المهندس أحمد عبدالعزيز العوهلي، محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية، بالدور المحوري الذي تلعبه اللجنة الوطنية للصناعات العسكرية في تعزيز التكامل بين القطاعين العام والخاص، مؤكداً أن هذه الاجتماعات التنسيقية حيوية لتسريع وتيرة التوطين. من جانبه، أوضح سلمان الشثري، رئيس اللجنة، أن الاجتماع يمثل منصة لتوحيد الجهود واستعراض الإنجازات، مشيراً إلى أن التعاون بين الهيئة واللجنة قد أسهم بشكل كبير في دعم نمو القطاع وجاذبيته الاستثمارية. وقد كشفت المناقشات عن تحقيق نسبة توطين للإنفاق العسكري بلغت 25% بنهاية عام 2024، متجاوزة بذلك المستهدف البالغ 20%. هذا الإنجاز يعكس فعالية البرامج والمبادرات التي تنفذها الهيئة واللجنة، والتي تشمل تطوير التشريعات والسياسات الداعمة، وتمكين الشركات المحلية من التوسع والنمو، بهدف الوصول إلى توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030. هذه الأرقام تؤكد التزام المملكة الراسخ ببناء منظومة صناعات عسكرية محلية ومستدامة، تتماشى تماماً مع طموحات رؤية 2030.


