بعد جلسة منح الثقة غير المكتملة لحكومة رئيس الوزراء المكلف محمد شياع السوداني، بدأت التصدعات العميقة تظهر بوضوح داخل التحالف الحاكم، مما ينذر بانقسام وشيك قد يعصف بوحدة الإطار التنسيقي. فقد أدت الخلافات حول توزيع الحقائب الوزارية، وتحديداً الوزارات السيادية، إلى تحريك المياه السياسية الراكدة، حيث شرعت خمس قوى بارزة داخل الإطار في تشكيل تحالف سياسي جديد، في خطوة تعكس حجم الأزمة وتضع مستقبل الحكومة الجديدة على المحك.
جاءت هذه التطورات المتسارعة في أعقاب جلسة برلمانية صاخبة، منح فيها مجلس النواب الثقة لـ 14 وزيراً فقط من أصل 23، تاركاً 9 وزارات شاغرة، من بينها وزارات سيادية وحيوية كالداخلية والدفاع والتعليم العالي والتخطيط. هذا التصويت الجزئي لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل كان بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الخلافات المكتومة بين مكونات الإطار، والتي تتمحور حول ما تصفه بعض الأطراف بـ “سرقة الاستحقاقات” وعدم الالتزام بالتوافقات المسبقة.
جذور الأزمة: ما بعد عام من الجمود السياسي
لفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى المشهد السياسي الذي أعقب الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2021. شهد العراق حينها أطول فترة جمود سياسي في تاريخه الحديث، استمرت لأكثر من عام، بسبب الاستقطاب الحاد بين التيار الصدري، الفائز الأكبر في الانتخابات، وخصومه في الإطار التنسيقي. وبعد أشهر من الشد والجذب ومحاولات تشكيل حكومة أغلبية وطنية من قبل الصدريين، أدت استقالة نواب الكتلة الصدرية من البرلمان إلى تغيير موازين القوى بشكل جذري، وفتحت الباب أمام الإطار التنسيقي ليصبح الكتلة الأكبر ويتولى زمام المبادرة لتشكيل الحكومة. هذا السياق يوضح أن الإطار، رغم تماسكه الظاهري، هو تحالف يضم قوى متعددة ذات أجندات ومصالح متباينة، وكان توحده قائماً بالأساس على مواجهة خصم مشترك، ومع غياب هذا الخصم، بدأت التناقضات الداخلية تطفو على السطح.
تداعيات الانقسام على مستقبل حكومة السوداني
إن تشكيل تحالف جديد من رحم التحالف الحاكم يمثل التحدي الأكبر لحكومة السوداني حتى قبل أن تبدأ عملها بشكل كامل. هذا التحالف الجديد، الذي يضم شخصيات وازنة مثل نوري المالكي، هادي العامري، فالح الفياض، همام حمودي، وأحمد الأسدي، قد يتحول إلى كتلة معارضة قوية من داخل البيت الشيعي نفسه، مما يعقد مهمة رئيس الوزراء في تمرير القوانين وتنفيذ برنامجه الحكومي. على الصعيد المحلي، يهدد هذا الانقسام بإعادة البلاد إلى مربع عدم الاستقرار السياسي، ويضعف قدرة الحكومة على مواجهة التحديات الملحة كالبطالة، والفساد، وتحسين الخدمات. أما إقليمياً ودولياً، فإن عدم استقرار الحكومة العراقية قد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية، ويؤثر على دور العراق في محيطه الإقليمي كعنصر توازن. إن الأنظار تتجه الآن إلى قدرة القوى السياسية على احتواء الخلافات، وإلا فإن انشطار الإطار التنسيقي قد يكون مجرد بداية لمرحلة جديدة من الغموض السياسي في العراق.


