لم تعد الألغام البحرية مجرد عبوات صامتة مصنوعة من الحديد تختبئ تحت الماء، بل تحولت في مياه الخليج العربي إلى سباق تكنولوجي معقد تقوده الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. يأتي هذا التحول بعد أن دخلت البحرية الأمريكية رسميًا على خط مواجهة تهديدات ألغام مضيق هرمز بعقد ضخم مع شركة تقنية من قلب وادي السيليكون، في خطوة تعكس حجم القلق الدولي البالغ من إغلاق أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
في هذا السياق، تعاقدت البحرية الأمريكية مع شركة Domino Data Lab المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، ضمن صفقة تصل قيمتها إلى 100 مليون دولار، بهدف تطوير أنظمة فائقة الذكاء قادرة على اكتشاف الألغام البحرية الإيرانية تحت مياه مضيق هرمز بسرعة غير مسبوقة. اللافت في الأمر أن هذه المهمة العسكرية التي كانت تستغرق في السابق نحو 6 أشهر كاملة لتحديث أنظمة التعرف على الألغام، بات يُفترض اليوم أن تُنجز خلال أيام أو حتى ساعات فقط.
مضيق هرمز: شريان نفط عالمي تحت التهديد المستمر
يكتسب مضيق هرمز أهميته الاستراتيجية كونه الممر المائي الحيوي الذي يربط بين الخليج العربي وخليج عمان، ومنه إلى بحر العرب والمحيط الهندي. يمر عبر هذا المضيق الضيق ما يقارب خُمس استهلاك النفط العالمي يوميًا، ما يجعله نقطة اختناق جيوسياسية واقتصادية بالغة الحساسية. تاريخيًا، كان المضيق مسرحًا للعديد من التوترات، أبرزها خلال “حرب الناقلات” في الثمانينيات، حيث شكلت الألغام البحرية تهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة الدولية. أي تعطيل للحركة في هذا الممر يعني اشتعال أسعار الطاقة عالميًا وإحداث اضطراب هائل في سلاسل الإمداد، وهو ما يفسر الاهتمام العسكري الأمريكي الدائم بتأمين سلامته.
ثورة الذكاء الاصطناعي في مواجهة ألغام مضيق هرمز
تعتمد التقنية الجديدة على دمج بيانات السونار والتصوير البحري وتحليلها لحظيًا بواسطة نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على «التعلم الذاتي» من كل جسم مشبوه يظهر تحت سطح الماء. وبحسب ما كشفه موقع Defense News العسكري المتخصص، فإن هذه التكنولوجيا الخوارزمية الجديدة ستُستخدم بصفة أساسية داخل المسيّرات البحرية غير المأهولة (الغواصات الروبوتية) التابعة للبحرية الأمريكية. بحيث تصبح هذه الآليات قادرة على اكتشاف الألغام وتحليلها واتخاذ قرارات ميدانية حاسمة بسرعة فائقة، مع إرسال تحديثات فورية لغرف العمليات لتحسين الأداء عند اكتشاف أي أخطاء. المخاوف الأمريكية لا تتعلق بالألغام التقليدية القديمة، بل بما تصفه التقارير العسكرية بـ«الألغام الذكية» أو الأنماط الجديدة غير المعروفة سابقًا، وهي ألغام يمكن أن تُزرع بسرية تامة في ممرات الملاحة الحساسة، وتُهدد بشكل مباشر حركة ناقلات النفط العملاقة.
تداعيات استراتيجية واقتصادية تتجاوز الأعماق
إن إدخال الذكاء الاصطناعي بهذه القوة في معادلة أمن المضيق يحمل تداعيات تتجاوز مجرد كشف الألغام. فعلى الصعيد الاستراتيجي، يقلل هذا التطور من فعالية “ورقة الألغام” كسلاح ردع أو ضغط، حيث أن القدرة على اكتشافها وإبطالها بسرعة فائقة تحرم من يزرعها من عنصر المفاجأة والتأثير. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن وجود مثل هذه التكنولوجيا يبعث برسالة طمأنة لأسواق الطاقة العالمية وشركات الشحن، ويقلل من مخاطر التأمين على السفن المارة عبر المضيق. لم يعد الأمر في المضيق مجرد عمليات تمشيط بحرية تقليدية، بل تحول رسميًا إلى «حرب خوارزميات صامتة» تحت سطح الماء، إذ تتنافس الأنظمة الذكية على كشف الأجسام القاتلة في أكثر الممرات المائية حساسية على كوكب الأرض.


