من المدينة المنورة إلى سماء الإعلام الدولي
في سياق تطور الإعلام السعودي خلال القرن العشرين، برزت أسماء قليلة استطاعت أن تترك بصمة خالدة، ويعد الراحل محمد علي حافظ أحد أهم هذه الأسماء التي لم تكتفِ بالتأثير المحلي، بل حملت الحرف العربي إلى آفاق عالمية. وُلد حافظ في المدينة المنورة عام 1937، في بيئة إعلامية بامتياز، حيث تزامن مولده مع انطلاقة جريدة “المدينة” التي أسسها والده علي وعمه عثمان، لتكون الصحافة جزءاً من تكوينه منذ الصغر. هذه النشأة المبكرة صقلت شغفه، ودفعته بعد إتمام دراسته الثانوية في المملكة إلى السفر إلى مصر، قلب العروبة الثقافي آنذاك، لينال منحة دراسية ويدرس الصحافة في جامعة القاهرة. لم تكن دراسته نظرية فقط، بل اقترنت بتدريب عملي في دار “أخبار اليوم” العريقة، تحت إشراف عملاق الصحافة مصطفى أمين، مما منحه رؤية احترافية ومهنية سبقت الكثير من أقرانه.
رؤية محمد علي حافظ: مشاريع إعلامية غيرت المشهد
عقب عودته إلى المملكة، لم يكن محمد علي حافظ مجرد صحفي تقليدي، بل كان صاحب رؤية استراتيجية استشرفت المستقبل. في فترة السبعينيات، ومع الطفرة الاقتصادية التي شهدتها المملكة وتزايد أعداد الوافدين من مختلف الجنسيات، أدرك حافظ وجود فجوة إعلامية كبيرة. من هذا المنطلق، ولدت فكرة تأسيس “عرب نيوز” (Arab News) كأول صحيفة سعودية يومية تصدر باللغة الإنجليزية، لتكون جسراً للتواصل مع الجاليات غير الناطقة بالعربية، ونافذة يطلعون من خلالها على أخبار المملكة وثقافتها. لم تكن هذه الخطوة مجرد مشروع تجاري ناجح، بل كانت عملاً وطنياً ساهم في تعزيز الصورة الإيجابية للمملكة في الخارج. لم تتوقف طموحاته عند هذا الحد، فقد لاحظ أن صوت الإعلام العربي لا يصل بقوة إلى المحافل الدولية، فكان مشروعه الأبرز مع شقيقه هشام، وهو تأسيس جريدة “الشرق الأوسط”، التي شكلت ثورة في عالم الصحافة العربية. كانت “الشرق الأوسط” أول صحيفة عربية دولية تُطبع وتُوزع في عدة عواصم عالمية في نفس اليوم، محطمة بذلك حواجز الجغرافيا والزمن، ومقدمة نموذجاً إعلامياً فريداً أصبح فيما بعد معياراً للصحافة العربية الدولية.
إرث يمتد إلى التعليم وريادة الأعمال
لم يقتصر تأثير محمد علي حافظ على بلاط صاحبة الجلالة، بل امتد عطاؤه ليشمل قطاعات حيوية أخرى. كان من أوائل الذين أدركوا أهمية التعليم الأهلي في دعم مسيرة التنمية، فنادى بإنشاء جامعة أهلية في جدة، وهي الفكرة التي تبنتها الدولة لاحقاً لتتحول إلى صرح علمي شامخ هو “جامعة الملك عبدالعزيز”. وعلى الصعيد الاقتصادي، أسس مع أخيه هشام شركات رائدة في مجالات الإعلان والتوزيع والنظم الإلكترونية، ليصنع منظومة إعلامية متكاملة تضمن النجاح والاستمرارية لمشاريعه. إن سر نجاح حافظ يكمن في دراسته المتعمقة للسوق، وتفكيره المبكر في احتياجات المستقبل، وإيمانه الراسخ بأهمية الاستثمار في الكوادر البشرية ومنح الثقة للمواهب الشابة. رحل حافظ جسداً، لكن إنجازاته ومشاريعه التي سبقت عصرها ستبقى شاهدة على مسيرة رائد نقش اسمه في سجل الخالدين، وكما قال الشاعر محمد مهدي الجواهري: “يموتُ الخالدون بكل فجٍّ *** ويستعصي على الموتِ الخلودُ”.


