spot_img

ذات صلة

فروع الجامعات الدولية بالسعودية: هل الجودة تسبق الاسم؟

رؤية جديدة للتعليم العالي في المملكة

أثار حديث المستشار بالديوان الملكي ووزير التعليم السابق، الدكتور أحمد العيسى، حول الموافقة على افتتاح فروع الجامعات الدولية في المملكة، نقاشاً حيوياً حول مستقبل التعليم العالي. يتجاوز هذا النقاش مجرد الاحتفاء باستقطاب أسماء عالمية لامعة، ليتعمق في جوهر القضية: ضمان الجودة، وتحقيق الأثر التنموي المنشود، وربط مخرجات هذه الجامعات بأهداف رؤية 2030. ففي الوقت الذي تمثل فيه هذه الخطوة إضافة مهمة لتنويع الخيارات التعليمية أمام الطلاب، شدد العيسى على أن السمعة الأكاديمية للجامعة الأم وحدها لا تضمن جودة برامج فرعها، مما يضع هيئة تقويم التعليم والتدريب أمام مسؤولية محورية لضمان المعايير الأكاديمية.

تأتي هذه الخطوة في سياق تحول استراتيجي يشهده قطاع التعليم في السعودية، والذي يُعد ركيزة أساسية في تحقيق مستهدفات الرؤية الطموحة. فبعد عقود من الاعتماد على برنامج الابتعاث الخارجي الذي أرسل مئات الآلاف من الطلاب إلى أرقى الجامعات العالمية، تتجه المملكة الآن إلى توطين التعليم المتميز عبر استقطاب هذه الجامعات لفتح فروع لها على أراضيها. يهدف هذا التوجه إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتعزيز القدرة التنافسية للمملكة كمركز إقليمي للمعرفة والابتكار، وجذب العقول والمواهب من مختلف أنحاء العالم.

تحدي الجودة والاعتماد الأكاديمي لفروع الجامعات الدولية

أوضح الدكتور العيسى أن أحد أكبر التحديات يكمن في طبيعة إدارة هذه الفروع. فغالباً ما تُدار من خلال أقسام التعاون الدولي في الجامعات الأم، والتي قد تعمل بدوافع استثمارية بحتة، حتى لو كانت الجامعة الأم غير ربحية. هذا الأمر قد يخلق فجوة بين جودة البرامج المقدمة في الفرع الدولي وتلك المقدمة في الحرم الجامعي الرئيسي، حيث قد تكون هذه الإدارات معزولة نسبياً عن الأقسام الأكاديمية الأساسية المسؤولة عن الاعتماد والجودة.

وأضاف أن هيئات الاعتماد الأكاديمي الدولية المرموقة لا تمنح الاعتماد تلقائياً لفروع الجامعات الخارجية بناءً على اعتماد الجامعة الأم. بل تشترط أن يخضع كل فرع لعملية تقييم مستقلة وصارمة للحصول على الاعتماد الخاص به. هذا الشرط يُعد ضرورياً لضمان ثقة الطلاب وأولياء الأمور وأصحاب العمل في الشهادات الممنوحة من هذه الفروع، ويؤكد على أن الجودة ليست مجرد انعكاس لاسم الجامعة.

نماذج إقليمية ودروس مستفادة

في تحليله، استعرض العيسى تجربتين خليجيتين رائدتين: قطر ودبي. تبنت قطر نموذجاً غير ربحي من خلال “مؤسسة قطر”، حيث استقطبت فروعاً لجامعات عالمية مرموقة ضمن “المدينة التعليمية”، مع توفير بنية تحتية متكاملة. في المقابل، فتحت دبي الباب على مصراعيه للاستثمار التعليمي الخاص في مناطق حرة مثل “قرية المعرفة” و”المدينة الأكاديمية”، مما جذب عدداً كبيراً من الجامعات من مختلف المستويات. ورغم نجاح التجربتين في خلق بيئة تعليمية دولية، إلا أنهما، بحسب تقدير العيسى، لم تُحدثا نقلة نوعية كبرى في تنمية الكوادر البشرية الوطنية، نظراً لأن غالبية الملتحقين كانوا من المقيمين، بينما يفضل المواطنون التعليم الحكومي أو الابتعاث.

نحو شراكات استراتيجية وتخصصات نوعية

لتعظيم الفائدة من هذه المبادرة، دعا العيسى إلى التركيز على استقطاب تخصصات نوعية وحديثة تخدم بشكل مباشر القطاعات الاقتصادية الواعدة في المملكة، مثل الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والسياحة والترفيه، والتكنولوجيا الحيوية، بدلاً من تكريس البرامج التقليدية المتوفرة بالفعل في الجامعات المحلية. كما أكد على أهمية بناء شراكات استراتيجية بين هذه الفروع الدولية والقطاع الخاص السعودي، بالإضافة إلى تنفيذ مشاريع بحثية وتدريسية مشتركة مع الجامعات الحكومية والأهلية، لضمان نقل المعرفة وتوطين الخبرات، وتحويل هذه الفروع إلى مساهم حقيقي في النظام البيئي للابتكار والتنمية في المملكة.

spot_imgspot_img