أعلن البنك الدولي في تقريره السنوي “حالة واتجاهات تسعير الكربون 2024” أن إيرادات رسوم الكربون العالمية قد وصلت إلى مستوى قياسي جديد، حيث بلغت 104 مليار دولار خلال عام 2023. يمثل هذا الرقم علامة فارقة في الجهود الدولية لمواجهة تغير المناخ، ويعكس التوسع المتزايد في تبني سياسات تسعير الانبعاثات كأداة اقتصادية فعالة لتحفيز التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
ويشير التقرير إلى أن ما يقرب من ربع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية باتت الآن مشمولة بإحدى آليات تسعير الكربون، والتي يتم تطبيقها عبر 75 سياسة مختلفة حول العالم. وتأتي هذه الزيادة في الإيرادات مدفوعة بارتفاع أسعار الكربون في العديد من الأسواق الرئيسية، مثل نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تطبيق سياسات جديدة في دول مثل أستراليا والمجر وتايوان.
مسار تاريخي وأهمية متزايدة لـ إيرادات رسوم الكربون
لم تكن فكرة تسعير الكربون وليدة اللحظة، بل تطورت على مدى عقود كجزء من النقاشات العالمية حول السياسات البيئية. اكتسب المفهوم زخماً كبيراً بعد بروتوكول كيوتو عام 1997 واتفاق باريس للمناخ عام 2015، حيث التزمت الدول بتخفيض انبعاثاتها بشكل كبير. يُنظر إلى تسعير الكربون على أنه تطبيق لمبدأ “الملوث يدفع”، حيث يتم تحميل الجهات المسؤولة عن الانبعاثات تكلفة الأضرار البيئية والاجتماعية التي تسببها. هذا النهج لا يهدف فقط إلى جمع الإيرادات، بل إلى إرسال إشارة سعرية قوية للأسواق والمستثمرين، توجههم بعيداً عن التقنيات المعتمدة على الوقود الأحفوري وتشجع على الابتكار والاستثمار في الطاقة النظيفة وكفاءة الطاقة.
التأثير المزدوج على الاقتصاد والمناخ
تتجاوز أهمية هذه الإيرادات مجرد كونها رقماً في تقرير. فعلى الصعيد الاقتصادي، توفر هذه الأموال مصدراً مهماً لتمويل التحول الأخضر. يمكن للحكومات استخدامها للاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، وتحديث البنية التحتية، ودعم الأسر ذات الدخل المنخفض للتكيف مع ارتفاع تكاليف الطاقة، أو حتى خفض ضرائب أخرى لتحفيز النمو الاقتصادي. أما على الصعيد المناخي، فإن فرض سعر على الكربون يجعله عاملاً مؤثراً في القرارات الاقتصادية اليومية للشركات والمستهلكين. ومع ذلك، يشير الخبراء، بما في ذلك البنك الدولي، إلى أن الأسعار الحالية للكربون في معظم أنحاء العالم لا تزال أقل بكثير من المستوى المطلوب لتحقيق أهداف اتفاق باريس، مما يؤكد على الحاجة الماسة إلى سياسات أكثر طموحاً وتغطية أوسع في المستقبل لضمان انتقال عادل وفعال نحو مستقبل مستدام.


