تفتخر الأوطان عادة بشعرائها ومبدعيها، لأنهم يمثلون صوتها النابض بالحب والوفاء في المحافل الداخلية والخارجية. وفي تاريخ الأدب الكويتي والخليجي، يبرز اسم الشاعر والأكاديمي الراحل الدكتور عبدالله محمد العتيبي كأحد القامات الأدبية الاستثنائية التي حاكت بصوتها وشعرها تاريخ وطنها العريق. لُقب العتيبي بـ “عاشق الدار”، و”صوت الكويت الدافئ”، و”قيثارة الوطن”، و”أمير الكلمة”، حيث كرس حياته لخدمة الكلمة الصادقة والتعبير عن الهوية الوطنية والعربية في مختلف الظروف والمناسبات.
مسيرة حافلة بالعطاء الأكاديمي والأدبي للشاعر عبدالله محمد العتيبي
ولد الدكتور عبدالله محمد العتيبي في مدينة الكويت عام 1942، ونشأ في أسرة كريمة يعود نسبها إلى النفعة من عتيبة. بدأ مسيرته التعليمية الأولى في الكتاتيب على يد الملا محمد صالح العدساني في حي القبلة، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة. تابع دراسته النظامية حتى نال الشهادة الثانوية من المعهد الديني، ثم سافر إلى مصر ليلتحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، والتي منحته ليسانس اللغة العربية وآدابها عام 1970، ثم الماجستير عام 1973 عن أطروحته “شعر السلم في العصر الجاهلي”، وأخيراً الدكتوراه بامتياز عام 1977 عن أطروحته “الحرب والسلم في الشعر العربي من صدر الإسلام إلى نهاية العصر الأموي”.
بعد عودته إلى الكويت، تدرج العتيبي في السلك الأكاديمي بجامعة الكويت، حيث عمل أستاذاً مساعداً في قسم اللغة العربية، ثم ترأس القسم، وصولاً إلى تعيينه عميداً مساعداً ثم عميداً لكلية الآداب. وإلى جانب عمله الأكاديمي، ساهم بفعالية في تأسيس “مركز التراث الشعبي لدول مجلس التعاون الخليجي” بالدوحة عام 1982، وشغل منصب الأمين العام لرابطة الأدباء في الكويت، ونائب رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الكويتية (كونا) بعد التحرير.
أوبريتات وملاحم وطنية خلدت الهوية الكويتية
لم تقتصر إبداعات العتيبي على القصائد المكتوبة، بل تحولت كلماته العذبة إلى لوحات فنية وأوبريتات غنائية خالدة شنفت الآذان ودغدغت المشاعر، بالتعاون مع الملحن غنام الديكان والفنان شادي الخليج. ومن أبرز هذه الأعمال:
- ملحمة “قوافل الأيام” (1981): التي أرخت لمسيرة الأجيال الكويتية.
- أوبريت “الزمن العربي” (1982): الذي جسد ارتباط الفن بالواقع العربي وقضاياه.
- أغنية “دفعها الله” (1985): التي كتبت بمناسبة نجاة الشيخ جابر الأحمد الصباح من محاولة الاغتيال الآثمة.
- ملحمة “أهل الكويت” (1992): التي قدمت في أول احتفال بالعيد الوطني بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي الغاشم.
- أوبريت “عاشق الدار” (1995): الذي كان ختاماً وتتويجاً لمسيرته الفنية الحافلة.
السياق التاريخي والأثر الثقافي الممتد لإرث العتيبي
عاش الدكتور عبدالله محمد العتيبي في مرحلة تاريخية مفصلية شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبرى في منطقة الخليج العربي. فقد عاصر نهضة الكويت الحديثة بعد الاستقلال، وفترة الطفرة النفطية التي غيرت ملامح المجتمع، وصولاً إلى محنة الغزو العراقي عام 1990. انعكست هذه الأحداث بعمق في نتاجه الأدبي؛ فكان شعره بمثابة سجل تاريخي ووجداني يوثق صمود الشعب الكويتي وتلاحمه. وخلال فترة الغزو، كتب قصيدته الشهيرة “طائر البشرى” التي عبر فيها عن تفاؤله بالنصر والتحرير.
يمتد التأثير الثقافي للعتيبي محلياً وإقليمياً من خلال دراساته النقدية العميقة في الأدب الشعبي وفن “القلطة” وأثر البحر في وجدان سكان الخليج. لقد نجح في جسر الهوة بين الثقافة الأكاديمية النخبوية والتراث الشعبي البسيط، مما جعل أعماله مرجعاً أساسياً للباحثين في الهوية الخليجية والعربية الشاملة.
الرحيل وبقاء الأثر الأدبي
في 15 يناير 1994، رحل الشاعر عبدالله محمد العتيبي عن عالمنا في أحد مستشفيات لندن بعد صراع مع مرض عضال، تاركاً وراءه إرثاً أدبياً وأكاديمياً زاخراً وأربعة أبناء. وقبل وفاته بشهر واحد، كتب قصيدته الطويلة الأخيرة “قال المعنى” التي لخصت سيرته الذاتية ومدى التصاقه بوطنه الكويت حتى الرمق الأخير. وقد صدرت عنه عدة مؤلفات تكريمية بعد رحيله، منها كتاب “عاشق الدار” عام 2005، وكتاب “الدكتور عبدالله محمد العتيبي.. حضور متجدد” عام 2014، لتظل ذكراه عطرة ونبراساً للأجيال القادمة.


