spot_img

ذات صلة

عبدالمحسن الحربي: تحولات القطاع غير الربحي وقصة اليتيمة

الدكتور عبدالمحسن الحربي

يشهد القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية تحولات جذرية وتاريخية، تعيد تشكيل مفهوم العمل الخيري من مجرد تقديم المساعدات العينية المباشرة إلى بناء منظومات مستدامة تهدف إلى التمكين والتنمية. ويأتي هذا التحول استناداً إلى إرث إسلامي عريق في ثقافة الأوقاف، يتناغم اليوم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي وضعت القطاع الثالث كركيزة أساسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، بهدف رفع مساهمته في الناتج المحلي وتعزيز أثره المجتمعي.

وفي هذا السياق، يبرز الدكتور عبدالمحسن معيض الحربي، نائب رئيس مجلس الجمعيات الأهلية والأمين العام لجمعية تكافل لرعاية الأيتام، كأحد القيادات المؤثرة التي تقود دفة هذا التغيير في المدينة المنورة. يمتلك الحربي رؤية إدارية ثاقبة تمزج بين العمل الإنساني والاحترافية المؤسسية، وهو ما تجلى في حديثه عن النقلة النوعية التي شهدتها الجمعيات من الاجتهادات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم.

التحول نحو الاستدامة والتمكين

أكد الحربي أن مفهوم البذل لدى المجتمع السعودي متأصل وعميق، إلا أن التحدي كان يكمن في توجيه هذا البذل ليصنع أثراً مستداماً. وأوضح أن جمعية «تكافل» عملت على توسيع مفهوم الرعاية ليشمل «التمكين» بدلاً من الاكتفاء بـ«الإغاثة». وقد تحقق ذلك عبر رقمنة التبرعات، وحوكمة العمليات، وفتح مسارات التطوع الاحترافي للكفاءات من أطباء ومهندسين، مما يعظم العائد الاجتماعي ويحقق استدامة أعمق من مجرد سلة غذائية تنتهي بانتهاء الشهر.

الشفافية ونموذج الأوقاف الصحية

وفيما يخص الحوكمة، أشار الحربي إلى أن القطاع يعيش عصره الذهبي بفضل إشراف المركز الوطني للقطاع غير الربحي، حيث أصبحت الشفافية والامتثال للمعايير العالمية سمة سائدة، وباتت الجمعيات تتنافس في جودة الأداء تماماً كالقطاع الخاص. واستشهد بنموذج «وقف الشفاء الصحي» الذي لا يكتفي بتغطية تكاليف العلاج، بل يسهم في سد الفجوات الدقيقة في النظام الصحي، مقدماً خدمات نوعية لضيوف الرحمن والفئات الأشد احتياجاً، حيث قدم الوقف خدماته لأكثر من 39 جنسية بنسب رضا مرتفعة.

الأثر الإنساني.. قصة لا تُنسى

وعن الجانب الإنساني الذي يلامس القلوب، روى الحربي موقفاً مؤثراً اختصر رسالة الجمعية، حين كتبت إحدى اليتيمات بعد رحلة عمرة نظمتها الجمعية عبارة في نموذج التقييم قالت فيها: «عدتُ لماضٍ كنت أعيشه مع أبي». هذه الجملة القصيرة، كما يصفها الحربي، كانت بمثابة شهادة نجاح حقيقية، تؤكد أن الهدف ليس فقط الدعم المادي، بل ترميم المشاعر وتعويض الفقد، وهو ما أثمر عن تخريج أجيال من الأيتام أصبحوا اليوم أطباء ومهندسين وداعمين للجمعية.

إن هذا الحراك التنموي الذي يقوده القطاع غير الربحي في المملكة لا ينعكس أثره محلياً فحسب، بل يقدم نموذجاً إقليمياً ملهماً في كيفية إدارة العمل الخيري باحترافية عالية، محققاً التوازن الصعب بين العاطفة الإنسانية الجياشة وبين الانضباط المالي والإداري الصارم.

spot_imgspot_img