يقدّم عبدالرحمن موكلي، في كتابه المثير للتأمل «وأنا بُر وأنا دُخن» الصادر عن دار أروقة للنشر والتوزيع بالقاهرة، تجربة أدبية فريدة تتجاوز حدود السرد التقليدي. فبدلاً من الاكتفاء بوصف المطبخ كفضاء محدود، يغوص موكلي في أعماق رمزية رحبة، محولاً طبقاً يبدو بسيطاً ومتواضعاً مثل “المرسة” إلى بوابة لعوالم متداخلة من الذاكرة، والأسطورة، والأنثروبولوجيا. إنه لا يتعامل مع “المرسة” كمجرد وجبة ريفية، بل كفكرة غنية بالإشارات والدلالات، نقطة التقاء للحواس والجسد والمكان واللغة، ليصبح الطعام مدخلاً عميقاً لقراءة الذات في طبقاتها الأكثر خفاءً وتعقيداً.
لفهم عمق هذا العمل، لا بد من استحضار السياق الجغرافي والثقافي لمنطقة جازان، التي تُعد واحدة من أغنى مناطق المملكة العربية السعودية بالتراث والتنوع. تقع جازان في أقصى الجنوب الغربي للمملكة، على ساحل البحر الأحمر، وتتميز بتضاريسها المتنوعة التي تشمل السهول الخصبة والجبال الشاهقة والجزر البكر. هذا التنوع الجغرافي انعكس على ثقافتها الغنية، التي تشمل لهجات فريدة، وفنوناً شعبية أصيلة، ومطبخاً يتميز بأطباقه التقليدية التي تعكس ارتباط الإنسان بالأرض. “المرسة” هي أحد أبرز هذه الأطباق، وهي وجبة شعبية أساسية في جازان، تُعد عادة من دقيق القمح الكامل والموز المهروس، وتُقدم غالباً مع السمن البلدي والعسل. لا تقتصر أهميتها على كونها مصدراً للغذاء، بل تتعداها لتكون رمزاً للكرم والضيافة، وعنصراً جوهرياً في المائدة الجازانية، تعكس تاريخاً طويلاً من الاعتماد على المنتجات الزراعية المحلية وتجسد جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمنطقة.
من قلب سوق الثلاثاء في صبيا، إلى دفء رائحة التنور ولهيب النار، وصوت المرأة التي تنحني فوق الجمر، يلتقط موكلي المشهد الشعبي بتفاصيله الدقيقة والحسية. إنه يعيد بناء سيرة المكان من شذرات الحنين، متحدثاً من موقع “الأنا الشاهدة”؛ طفل يراقب المطبخ من مسافة، محروم من لمس العجين أو تحديد مقدار الملح، لكنه يلتقط ما هو أعمق وأبقى أثراً: رائحة الامتزاج بين جسد المرأة والتنور، القلق الخفي من العوز، ترقّب العائدين من السوق، واقتصاد القلّة الذي يجعل “المرسة” وغيرها من أطعمة جيزان، ضرباً من طمأنينة الجسد الريفي. هذه الجزئيات، التي قد تبدو عابرة، تتحول في السرد إلى مادة للتفكير والتأمل، تُقرأ من خلالها الحياة القروية كنص إنساني مكتمل، لا مجرد ذكريات لطيفة من زمن مضى.
لا يتوقف النص عند حدود اليومي، فالعبارة الشعبية التي اتخذ منها الكتاب عنوانه: «وأنا بُر وأنا دُخن»، تُستعاد هنا بوصفها مفتاحاً ذهنياً عميقاً. إنها لا تعبر فقط عن التلبية أو الجاهزية، بل تحيل إلى طريقة الإنسان في تعريف ذاته عبر ما يقتاته، وكيف تحتفظ اللغة الشفوية ببقايا رمزية متصلة بالخصب والوفرة ومواسم الحصاد. من هذه النقطة تتشعب أسئلة أرحب حول العلاقة بين اللغة والطبيعة، وكيف تتحول الحبوب إلى علامات لهوية وموقف من العالم. وفي المسار نفسه، يتأمل موكلي اسم “جازان” ذاته بوصفه نصاً متوهجاً بالتاريخ والدلالة، فتغدو الجغرافيا بنية قابلة للتأويل، لا مجرد خلفية صامتة للأحداث، بل كياناً حياً يحمل في طياته قصصاً وحضارات.
يشكل هذا الكتاب استجابة عملية لما دعا إليه المفكر العراقي خزعل الماجدي في حديثه عن مشروع موكلي السابق حول «كتاب الهبل». فقد أشار الماجدي إلى ضرورة كسر “السجن البلاغي” الذي يحاصر الأدب في زخرفته اللفظية ويبعده عن جوهر الإنسان المعيش، داعياً إلى ثورة تصل الأدب بالأنثروبولوجيا لتعيد تشكيل بنيته في زمن ما بعد الحداثة. يقول الماجدي: «إن العلاقة الوثيقة بين الأنثروبولوجيا والأدب كانت وما زالت ضعيفة، ومردّ ضعفها هو السجن الأدبي البلاغي الذي ينصبه الأدب لنفسه ويسجن فيه خطابه، ولا بد من ثورة في هذا المجال؛ لكي يتحرر الأدب من ميوعته البلاغية الوصفية، والمتحذلقة أحياناً. لا بد من أن تعيد الأنثروبولوجيا صيغة الأدب الجديد في زمن ما بعد الحداثة، الذي نحن فيه، فيعود بناؤه، وبذلك ستكون هناك ثورة جديدة في الأدب تتناسب مع طاقته الكامنة المعطلة». موكلي، من غير أن يرفع لافتة تنظيرية، يأخذ هذه الدعوة بجدية صامتة، فيكتب بنثر مقتصد لكنه مشحون بالإيحاء، متخففاً من البلاغة الاستعراضية لصالح المشهد الحي، حيث تعمل التفاصيل عملها الرمزي العميق.
في هذا العمل، تبرز عناقيد الموز المعلقة في المطبخ، وخطوات النساء المرهقات نحو سوق الثلاثاء، والأسماء الدقيقة للأودية والقرى، كشذرات صغيرة مصاغة بعناية، تكشف كيف يمكن للجمال أن يقيم في قلب البساطة، وأن الأدب يبلغ صدقه حين يصغي للحياة اليومية وهي تتكلم بلسانها الخاص. يبرز حضور الباحث الذي يتعامل مع الأمثال والعادات الغذائية بوصفها وثائق ثقافية حية، لا مجرد مواد للزخرفة السردية. فالأمثال هنا نصوص اجتماعية تحمل رؤية القرية لوجودها، والخرافة ليست وهماً بقدر ما هي ذاكرة جمعية تذكّر الإنسان بجذوره الأولى. بهذا الوعي، ينجح موكلي في جعل الأدب حقلاً أنثروبولوجياً داخلياً؛ قراءة من الداخل، لا من برج أكاديمي، بل من قلب التجربة المعاشة نفسها.
تكمن أهمية هذا الكتاب في مستويات متعددة. على الصعيد المحلي، يساهم في توثيق وحفظ التراث غير المادي لمنطقة جازان، ويعزز الفخر بالهوية الثقافية المحلية من خلال تسليط الضوء على تفاصيل الحياة اليومية التي غالباً ما تُهمل في السرديات الكبرى. إقليمياً ووطنياً، يقدم الكتاب نموذجاً رائداً للأدب الذي يتجاوز المحلية ليلامس قضايا إنسانية أوسع، مما يثري المشهد الثقافي السعودي والعربي. أكاديمياً، يشكل “وأنا بُر وأنا دُخن” إضافة نوعية للمكتبة العربية، فهو يقدم منهجاً جديداً في الكتابة الأدبية التي تتشابك مع العلوم الإنسانية، ويدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الأدب والأنثروبولوجيا، مما قد يلهم باحثين وكتاباً آخرين لتبني مقاربات مماثلة في دراسة الثقافات المحلية وتوثيقها.
يأتي «وأنا بُر وأنا دُخن» حلقة جديدة في مشروع موكلي الفكري والأدبي الذي يكتب تراث منطقة جازان من تخوم اللغة والبحث المعرفي، كما في أعماله السابقة بما تفتحه من أفق ديني وصوفي وتاريخي. أما في هذا الكتاب، فينتقل مركز الثقل إلى الحياة اليومية، إلى طقوس الطعام والأسواق وملامح المكان، من دون أن يتخلى عن الحسّ الشعري الذي يميّز لغته. فعباراته مشدودة بين الاقتصاد اللفظي واللمعان الدلالي، ويغدو كل مشهد من المطبخ أو السوق حاملاً لبنية رمزية مضمرة. موكلي لا يقدم فلكلوراً للتزيين، بل يتعامل معه باعتباره مفتاحاً معرفياً لفهم رؤية القرية للعالم، علاقتها بالخوف والخصب، بالفقر والكرم، وبالتوازن الإنساني بين الحاجة والبهجة. في المحصلة، ليس هذا الكتاب مجرد سجل لطفولة أو وصف لأطباق شعبية، بل تجربة فكرية وجمالية عميقة لاختبار حدود الأدب ذاته، وإعادة اكتشاف جازان الحقيقية التي تسكن أطباقها وأمثالها وأساطيرها.


