مليونية عدن تؤكد المطالب الجنوبية: استعادة الدولة، دعم الحوار السعودي، ورفض الإرهاب
شهدت العاصمة عدن، اليوم الجمعة، حشودًا جماهيرية غفيرة في “مليونية عدن” التي أكدت بوضوح تمسك شعب الجنوب بحقه الأصيل في استعادة دولته ذات السيادة الكاملة. هذا الحق، الذي وصفته الجماهير بالوطني والتاريخي والقانوني، لا يقبل التنازل أو المقايضة أو التأجيل، ويأتي تتويجًا لمسيرة نضالية طويلة. جددت المليونية العهد على مواصلة النضال السلمي والحراك الجماهيري المنظم حتى تحقيق الهدف الوطني الجامع، معلنة دعمها الكامل لمسار الحوار الجنوبي الشامل الذي ترعاه المملكة العربية السعودية، ومنددة بشدة بالعملية الإرهابية التي استهدفت المناضل حمدي شكري، ومؤكدة أن الإرهاب لن يكون أداة لابتزاز الجنوب أو تغيير مواقفه الثابتة.
السياق التاريخي والسياسي لقضية الجنوب
إن المطالب الجنوبية باستعادة الدولة ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من الكفاح. فقبل عام 1990، كان جنوب اليمن دولة مستقلة ذات سيادة تُعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. جاءت الوحدة اليمنية عام 1990 كخطوة طموحة نحو بناء دولة موحدة، لكنها سرعان ما واجهت تحديات كبيرة، وتصاعدت الشكاوى الجنوبية من التهميش والإقصاء السياسي والاقتصادي والعسكري. هذه المظالم أدت إلى حرب صيف 1994، التي انتهت بفرض الوحدة بالقوة، وتلاها ظهور “الحراك الجنوبي السلمي” في عام 2007، الذي طالب بفك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية، معبرًا عن إرادة شعبية متنامية. هذا الحراك الجماهيري اليوم يعكس تراكمًا لهذه المطالب المشروعة.
عدن في قلب الصراع اليمني وأهميتها الاستراتيجية
تكتسب هذه المليونية أهمية خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها اليمن. فعدن، العاصمة المؤقتة للحكومة الشرعية ومركز الثقل الجنوبي، تمثل نقطة محورية في الصراع الدائر. هي مدينة ذات موقع استراتيجي على بحر العرب، وميناء حيوي لطالما لعب دورًا تجاريًا وعسكريًا بارزًا في المنطقة. في سياق الحرب الأهلية اليمنية، لعبت القوات الجنوبية، ممثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي (STC)، دورًا حاسمًا في مواجهة التمدد الحوثي والجماعات الإرهابية، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية. هذا الحضور الجماهيري الواسع في عدن يعكس وعي شعب الجنوب بخياراته، وتماسك مواقفه، وإصراره على التعبير عن تطلعاته المشروعة أمام العالم، مشددًا على أن أي مسار سياسي ناجح يجب أن ينطلق من الاعتراف الصريح بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته كاملة السيادة.
دعم الحوار الجنوبي الشامل برعاية سعودية: فرصة للسلام والاستقرار
في خطوة تعكس الثقة في الجهود الإقليمية، أعلنت المليونية دعمها الكامل لمسار الحوار الجنوبي الشامل الذي ترعاه المملكة العربية السعودية. يُنظر إلى هذا الحوار على أنه مسار جاد وآمن ومضمون، ومكمّل لإرادة شعب الجنوب، وفرصة تاريخية لترتيب الصف الجنوبي وصياغة رؤية وطنية جامعة تؤسس لمسار سياسي واقعي وقابل للتنفيذ، ويضمن تحقيق خيار استعادة الدولة. تأتي رعاية السعودية لهذا الحوار في إطار سعيها الدائم لتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، وتأكيدًا لدورها المحوري كلاعب إقليمي رئيسي. وثمّنت جماهير الجنوب الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في رعاية هذا الحوار، مؤكدة أن نجاحه مرهون باحترام إرادة شعب الجنوب، وبشراكة صادقة تخدم أمن واستقرار المنطقة، وتؤسس لعلاقة استراتيجية مستدامة. كما عبّرت عن تقديرها للدعم السعودي المتواصل للتنمية والاقتصاد في الجنوب، ودفع رواتب القوات الجنوبية، مما يعزز من استقرار الحياة اليومية للمواطنين.
مواجهة الإرهاب: حماية المكتسبات الجنوبية
أدانت المليونية بأشد العبارات العملية الإرهابية الجبانة التي استهدفت المناضل حمدي شكري، مؤكدة أن الإرهاب بكل أشكاله لن ينجح في كسر إرادة الجنوب أو حرف مساره الوطني. لطالما عانى الجنوب من ويلات الإرهاب الذي سعت جماعات مثل القاعدة وداعش لاستغلال الفراغ الأمني والفوضى لتثبيت وجودها. هذه العمليات الإرهابية لا تستهدف أفرادًا فحسب، بل تسعى لزعزعة الأمن والاستقرار وتقويض أي جهود نحو بناء الدولة. رفض الجنوب للإرهاب والفوضى والعنف، وتمسّكه بالحوار المسؤول والعمل السياسي المنظم، يؤكد وعيه بأن هذه هي الخيارات الأجدى لتحقيق تطلعاته الوطنية وصون نسيجه الاجتماعي. ودعت المليونية التحالف العربي والجهات الأمنية إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية الأمن والاستقرار وملاحقة مرتكبي هذه الجرائم.
رسائل سياسية واعية وتطلعات مستقبلية
شدد البيان الصادر عن المليونية على أن هذه التجمعات الجماهيرية ليست دعوات للتصعيد أو الفوضى، بل هي رسائل سياسية واعية تعكس نضج شعب الجنوب وإصراره على تحقيق أهدافه بالطرق السلمية والمنظمة. وأكدت المليونية على النقاط التالية كخلاصة لمطالبها وتطلعاتها:
- التأكيد على أن استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة هي الهدف الوطني الجامع وأساس أي مسار سياسي أو حواري.
- دعم الحوار الجنوبي الشامل الذي ترعاه المملكة العربية السعودية، بوصفه مسارًا جادًا ومدعومًا إقليميًا ودوليًا، ومنطلقًا من إرادة شعب الجنوب وخياراته الوطنية.
- إدانة العملية الإرهابية التي استهدفت حمدي شكري، والتأكيد أن الإرهاب لن يكون أداة لابتزاز الجنوب أو تغيير مواقفه.
- التأكيد أن المليونيات الجنوبية رسائل سياسية واعية تعكس نضج شعب الجنوب، وليست دعوات للتصعيد أو الفوضى.
- رفض أي حلول أو مشاريع منقوصة أو رمادية لا تلبي تطلعات شعب الجنوب ولا تعترف بحقه الكامل في استعادة دولته.
- تجديد الالتزام بالنضال السلمي والحراك الجماهيري المنظم، ورفض جميع أشكال العنف والإرهاب.
- دعوة الإقليم والمجتمع الدولي إلى التعامل الجاد مع قضية الجنوب كقضية شعب ودولة، واحترام إرادته ودعم الحوار الذي ترعاه المملكة باعتباره المسار الضامن والمعبر عن تطلعاته.
واختتم البيان بالتأكيد على أن الجنوب ماضٍ بثقة نحو غايته الوطنية، موحدًا بإرادته، ثابتًا على حقه، وأن إرادة الشعوب لا تُهزم ولا تُختطف. وأشار إلى أن دولة الجنوب القادمة ستكون دولة سلام واستقرار وشراكة مسؤولة في محيطها الإقليمي والدولي، مساهمة في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي.


