تُعد كأس أمم أفريقيا، التي انطلقت نسختها الأولى عام 1957، أقدم وأعرق البطولات القارية للمنتخبات في العالم، ومحط أنظار الملايين من عشاق كرة القدم حول القارة السمراء وخارجها. لطالما كانت هذه البطولة منصة لإبراز المواهب الأفريقية وتأكيد الهوية الكروية للقارة. الوصول إلى مباراتها النهائية يمثل تتويجًا لمسيرة طويلة من التحديات والمنافسة الشرسة، ويحمل في طياته آمال وطموحات شعوب بأكملها. وفي هذا السياق التاريخي الحافل، يستعد ملعب الأمير مولاي عبدالله في العاصمة المغربية الرباط لاستضافة قمة كروية أفريقية من العيار الثقيل، حيث تتجه أنظار عشاق الكرة العربية والأفريقية عند تمام الساعة العاشرة من ليل اليوم الأحد لمتابعة نهائي كأس أمم أفريقيا المرتقب، والذي سيجمع بين منتخب المغرب الشقيق ونظيره منتخب السنغال القوي.
بالنسبة للمغرب، لا يمثل هذا النهائي مجرد مباراة كرة قدم، بل هو تجسيد لحلم طال انتظاره لنحو نصف قرن. فبعد تتويجه بلقبه الأفريقي الوحيد عام 1976، تطلعت الجماهير المغربية بشغف إلى تكرار هذا الإنجاز، وشهدت مسيرة أسود الأطلس في هذه النسخة تألقاً لافتاً يؤكد عزمهم على تحقيق هذا الهدف المنشود. بدأ المنتخب المغربي مشواره في البطولة بتصدر المجموعة الأولى بجدارة، محققاً فوزين وتعادلاً، مما عكس جاهزيته وقوته الهجومية والدفاعية. استمرت الإثارة في دور الـ16، حيث حقق فوزاً صعباً ومستحقاً على تنزانيا بهدف دون مقابل، ليثبت قدرته على حسم المباريات المعقدة. وفي ربع النهائي، تجاوز المغرب عقبة منتخب الكاميرون العريق بهدفين نظيفين، في أداء أظهر الانسجام التكتيكي والفعالية الهجومية. أما في نصف النهائي، فقد كان الحارس المتألق ياسين بونو نجم اللقاء بلا منازع، حيث قاد منتخب بلاده للنهائي بعد تألقه اللافت في ركلات الترجيح أمام منتخب نيجيريا القوي، ليضرب المغرب موعداً تاريخياً مع السنغال في النهائي المنتظر على أرضه وبين جماهيره، وهو ما يضيف بعداً خاصاً لأهمية هذا اللقاء.
على الجانب الآخر، يدخل منتخب السنغال هذا النهائي بصفته قوة كروية أفريقية صاعدة بقوة، ويسعى لترسيخ مكانته كأحد عمالقة القارة. جاء مشوار أسود التيرانجا في البطولة مماثلاً للمنتخب المغربي من حيث القوة والثبات، حيث تصدر منتخبات المجموعة الرابعة برصيد 7 نقاط من فوزين وتعادل، مما يعكس استقرار أدائه. وفي دور الـ16، تجاوز السنغال نظيره السوداني بثلاثية مقابل هدف، في مباراة أظهرت قوته الهجومية. ثم واصل تألقه في ربع ونصف النهائي، حيث انتصر على منتخبي مالي ومصر بالنتيجة ذاتها بهدف دون مقابل، في مباريات اتسمت بالانضباط التكتيكي والصلابة الدفاعية. يطمح منتخب السنغال لتحقيق اللقب للمرة الثانية في تاريخه، بعد أن حققه عام 2022 على حساب منتخب مصر، وهو ما يجعله خصماً عنيداً يمتلك الخبرة اللازمة في النهائيات.
هذا النهائي لا يقتصر تأثيره على الجانب الرياضي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً أوسع على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فمحلياً، يمثل الفوز باللقب مصدر فخر وطني لا يقدر بثمن، ويعزز الروح المعنوية للشعبين المغربي والسنغالي، ويُلهم الأجيال الشابة لممارسة الرياضة وتحقيق الإنجازات. إقليمياً، تُبرز هذه المباراة التنافسية العالية المستوى التطور الكبير الذي تشهده كرة القدم الأفريقية، وتؤكد قدرة القارة على إنتاج مواهب عالمية وتقديم عروض كروية ممتعة. دولياً، يجذب نهائي كأس أمم أفريقيا أنظار الكشافين والأندية الأوروبية، مما يفتح أبواباً جديدة للاعبين الأفارقة للتألق في الدوريات الكبرى، ويرفع من قيمة ومكانة كرة القدم الأفريقية على الساحة العالمية. إنها ليست مجرد مباراة، بل هي احتفالية كروية تعكس شغف القارة بكرة القدم وتطلعاتها نحو مستقبل رياضي مشرق.


