تُعد الأعمال الأدبية الخالدة مرآة صادقة لبيئة كاتبها، تتنفس تفاصيل حياته وتجاربه، وتُشكل رؤيته للعالم. وفي هذا السياق، تبرز رواية “الحزام” للكاتب السعودي أحمد أبو دهمان كنموذج فريد، فهي ليست مجرد قصة، بل هي رحلة عميقة إلى قلب قرية سعودية جبلية، مكتوبة بلغة فرنسية بليغة، لتُقدم للعالم نافذة غير مسبوقة على ثقافة وتاريخ الجزيرة العربية.
في المشهد الأدبي العربي، ليس غريباً أن يختار بعض الكتاب اللغة الفرنسية وسيلة للتعبير، كما هو الحال مع الأديب اللبناني أمين معلوف، الذي تعكس أعماله امتداداً طبيعياً لتأثر لبنان بالثقافة الغربية، وتجربة اللبنانيين في المهجر. لكن ما يثير الدهشة ويُعد سابقة أدبية، هو أن يكون أحمد أبو دهمان أول كاتب من الجزيرة العربية يختار الفرنسية لتدوين روايته “الحزام”. هذا الاختيار لم يكن مجرد تفضيل لغوي، بل كان قراراً استراتيجياً فتح من خلاله أسوار قريته العالية ووطنه الغني بالتفاصيل أمام جمهور عالمي متعطش لسبر أغوار هذه المنطقة التي لطالما كانت محط اهتمام وتساؤلات كثيرة.
تاريخياً، لطالما تميزت الجزيرة العربية بتقاليدها الشفهية الغنية، من الشعر الملحمي إلى الحكايات الشعبية التي تناقلتها الأجيال. ومع ظهور الأدب المكتوب الحديث، بدأت الأصوات المحلية تجد طريقها إلى العالمية، لكن رواية “الحزام” مثلت نقطة تحول، حيث قدمت رؤية داخلية أصيلة، بعيداً عن عدسات الاستشراق أو الرؤى السطحية التي قد تشوه الصورة الحقيقية للمنطقة. إنها شهادة على قدرة الأدب على تجاوز الحواجز اللغوية والجغرافية، وتقديم صورة إنسانية عميقة تتجاوز القوالب النمطية.
لم يكتفِ أبو دهمان بسرد قصة أدبية، بل نسج تاريخ قريته ببراعة، مصوراً طبيعة الحياة فيها بكل تفاصيلها الدقيقة. لقد تناول قضايا جوهرية مثل الزواج والطلاق، الفقر والغنى، ودور المرأة والرجل في المجتمع القروي. كما سلط الضوء على عادات وتقاليد فريدة، مثل الختان الذي كان يُحتفل به كعرس جماعي يجمع أهل القرية للاحتفال بشبابها دفعة واحدة، مما يعكس روح التكافل والترابط الاجتماعي العميق.
تتجاوز الرواية مجرد الوصف لتغوص في الفلسفة الخاصة للروائي حول الحياة والموت. فمرض في نظر أبو دهمان، لم يكن سوى كذب ووهم، أو ذريعة للهروب من العمل الشاق في الحقول، مؤكداً أن المرض الوحيد الحقيقي هو الموت. هذه النظرة الفلسفية تعكس واقعاً قاسياً يتطلب الصمود والعمل الدؤوب، حيث لا مكان للضعف أو التخاذل. كما يبرز الكاتب كيف يتحول أبناء القرية إلى رجال يعتزون بكونهم سنداً وعزوة لنسائهم، امتداداً لآبائهم، ومرآة لسجاياهم، وهو ما تجلى في موقف أحمد نفسه عندما اعتنى بأخواته في غياب والديه، ليُصبح ذلك الموقف بمثابة ولادة ثانية له، تؤكد اكتمال رجولته بجميل أفعاله.
تؤرخ الرواية أيضاً لمراحل التحديث التي شهدتها القرية، بدءاً من أول مركز صحي، ثم أول مدرسة أحدثت تحولاً جذرياً في حياة الأطفال، ومنحت أحمد شعوراً بالطفولة لأول مرة. لقد آمن بأن اللغة التي بدأ يتهجاها كانت أكبر من كل الحقول وأوسع من الأفق، وأنها العصا السحرية التي تتشكل بها الحياة. وصف أبو دهمان التعليم في هذه المدرسة الأولى، التي كان يُدرّس فيها أشخاص قدموا من دول مجاورة، وكيف كانت هذه المؤسسة الجديدة كائناً غريباً يُفزع أهل القرية الذين اعتادوا على الحياة التقليدية وقاوموا كل جديد. قليلون هم من صمدوا واستمروا، وقلة من الطلبة هم الذين أغراهم المستقبل الذي وعد به مدير المدرسة والمدرسون. فبينما كان نشيد الآباء والأجداد هو ثغاء الحقول وهمس البوادي، كان نشيد المدرسة مختلفاً، فقد ألغت أعلام القبائل ليخفق في ساحتها علم الوطن ونشيده، في دلالة واضحة على بزوغ الهوية الوطنية فوق الولاءات القبلية.
إن رواية “الحزام” لا تكتفي بتوثيق الحياة الجديدة ومقاومة أهلها لمظاهرها الدخيلة، بل تتطرق أيضاً لتأثير الغرباء الذين قدموا للعمل كمدرسين وأطباء، وكيف أن كل قديم يقاوم الجديد إلى أن يستسلم له في نهاية المطاف. يصف أبو دهمان قريته كأنها من رحم قبيلة تهبط من السماء، يعيشون على الجبال التي تجاورها، حيث المطر لا يسقط بل يصعد كما وصفه، في صورة شعرية بديعة. ونساء تلك القبيلة لسن مجرد تابعات، بل شقيقات لرجالهن، يحملن الحطب ويشاركن في أعمال الحقول ويربين الأطفال ويعتنين بالحيوانات والبيوت، وهن بنات الطبيعة اللاتي ينشدن نشيدها ويوقظن القرية على هديلهن كل صباح.
لقد كانت الرواية المكتوبة بالفرنسية نافذة حقيقية للناطقين بها على تفاصيل بيئة القرية في جنوب المملكة، وربما رسمت لمن قرأها مفهوماً آخر يختلف عن الصورة النمطية التي رسخت في أذهان البعض نتيجة استشراق مرضٍ أو رؤية غير عميقة أو رأي غير واقعي بُني من بعد. إنها دعوة لإعادة النظر في التصورات المسبقة، وتقدير الثراء الثقافي والإنساني للمنطقة.
في شخصية أبو دهمان، يستحضر القارئ عمالقة الأدب الذين غاصوا في أعماق المكان والزمان، مثل الطيب صالح صاحب الرائعة “مواسم الهجرة إلى الشمال” في تصويره للصراع الثقافي، وعبد الرحمن منيف في “مدن الملح” بتوثيقه لتحولات المجتمع، كما يتراءى ماركيز في قدرته على نسج الواقعية السحرية وتعمقه في تفاصيل المكان ومسقط الرأس والطفولة وعتبات الشباب الأولى ورابطة الأم والأب والقرية. هذه المقارنات لا تقلل من فرادة “الحزام”، بل تؤكد على مكانتها ضمن الأدب العالمي الذي يتناول الثيمات الإنسانية الكبرى.
تتخلل الرواية لغة شعرية غنية، حيث الحب قوس قزح، والشعر ماء يروي الكائنات، والشمس زوجة، والقمر زوج، والابتسامة ثمر حلو، والجنون شعر وغناء. في القرية، للكائنات والأشياء تسميات أخرى لها إيقاع مختلف، وكما كتب أبو دهمان: “روت لي أمي يوماً أن قريتنا كانت في البدء أغنية فريدة، تماماً كالشمس والقمر، وأن الكلمات التي يمنحها الناس طاقة شعرية؛ تطير كالفراشات، ولأن قريتنا هي بالتأكيد الأقرب إلى السماء، فإن الكلمات الشعرية تضيء العالم”. لقد أضاءت رواية “الحزام” آفاقاً بعيدة كانت بلهفة للتعرف على قرية ذلك الشاعر القادم من بلدة لا تلد إلا الشعراء، ولا نملك إلا أن نصفق للإبداع الذي يكرّم المبدعين بالخلود، ويُثري الوعي الإنساني بتنوعه وجماله.


