spot_img

ذات صلة

أحمد قران: الخطاب الثقافي العربي الجاد لم ينجح في العصر الرقمي

يلتقي في شخصية الشاعر والأكاديمي السعودي الدكتور أحمد قِرّان الزهراني مبادئ وقيم وأخلاقيات رفيعة، آثر تحصينها بالانتماء الحقيقي دون الالتفات للمكاسب الآنية. وفي حوار صريح ومكاشفة عميقة مع صحيفة «عكاظ»، أكد الزهراني أن الخطاب الثقافي العربي الجاد لم ينجح دائماً في تطوير أدواته ولغته للوصول إلى الجماهير في العصر الرقمي، مشيراً إلى أن المثقف المعاصر بات مثقلاً بالانكسارات التاريخية والأسئلة الوجودية الصعبة التي تعيق فاعليته في مجتمع متسارع التغير.

تحديات معاصرة تواجه الخطاب الثقافي العربي في زمن السيولة

يرى الدكتور أحمد قران أن الأزمة الراهنة ليست أزمة جمهور يبتعد عن القراءة فحسب، بل هي أزمة بنيوية داخل المؤسسات الثقافية نفسها. ويستحضر في هذا السياق نظرية عالم الاجتماع البارز مارشال ماكلوهان بأن “الوسيلة هي الرسالة”، ليوضح كيف أعادت المنصات الرقمية صياغة إدراك الإنسان للعالم. إن تدفق المعلومات الهائل والسطحية السريعة التي تفرضها الخوارزميات الرقمية جعلت من الصعب على الفكر الرصين أن يجد مساحته المستحقة.

هذا التحول التاريخي يضع الثقافة العربية أمام مفترق طرق حرج، حيث تراجعت الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية، واختلط الغث بالسمين وسط ضجيج رقمي لا يهدأ، مما يتطلب إعادة تعريف شاملة لمفاهيم النجومية والتأثير الثقافي والمعرفي.

المثقف العربي بين عبء المعرفة وعجز التأثير

تاريخياً، كان المثقف في العالم العربي يمثل طليعة التغيير وحامل لواء التنوير في مراحل التحول السياسي والاجتماعي الكبرى خلال القرن العشرين. ومع ذلك، يرى قران أن المثقف اليوم يعيش عبئاً مزدوجاً؛ عبء المعرفة العميقة من جهة، وعبء العجز عن تحويل هذه المعرفة إلى أثر ملموس على أرض الواقع من جهة أخرى.

هذا التوتر الدائم بين المثالي والواقعي، وبين الحلم والقدرة الفعلية، أنتج شخصية مثقفة متوجسة ومثقلة بالهزائم التاريخية، تعيش في بيئات اجتماعية وسياسية مرتبكة ومضطربة إقليمياً ودولياً، مما يحد من قدرتها على قيادة الرأي العام بكفاءة كما كان يحدث في العقود الماضية.

مستقبل الأدب والعودة المرتقبة إلى القصيدة

على الصعيد الإبداعي، يبدي الدكتور أحمد قران قلقه من تحول الأدب إلى منتج سريع الاستهلاك يخضع لمنطق المشاهدات والتفاعل اللحظي. ومع ذلك، يرفض الاستسلام للسوداوية المطلقة، معلناً عن قرب صدور ديوان شعري جديد يحمل رؤية إنسانية مختلفة، بالإضافة إلى كتاب فكري مرتقب بعنوان «فلسفة الأخلاق في العصر الرقمي».

ويؤكد أن القصيدة الحقيقية، ككائن متمرد يرفض الترويض، ستظل قادرة على البقاء وإعادة ترتيب حضورها عندما يصل الصمت إلى طريق مسدود. إن حماية الأديب من التسييس والتحول إلى أداة دعائية تظل رهناً بوعيه النقدي وقدرته على الاحتفاظ بمسافة آمنة تضمن نزاهة الحرف وعمق الرسالة الإنسانية التي يقدمها للمجتمع المحلي والدولي.

spot_imgspot_img