مقدمة: رائد في قلب المشهد الثقافي والإعلامي
في قلب المشهد الثقافي والإعلامي لدولة قطر ومنطقة الخليج العربي، يبرز اسم أحمد عبدالملك كشخصية محورية، لم تكتفِ بالمساهمة بل كانت ركيزة أساسية في تشكيل وتطوير هذه المجالات على مدى عقود. في فترة شهدت فيها المنطقة تحولات جذرية، من الاعتماد على الموارد التقليدية إلى بزوغ فجر النفط وما تبعه من نهضة شاملة، كان الإعلام والثقافة أدوات رئيسية في بناء الهوية الوطنية وتعزيز التواصل المجتمعي. ومع انطلاق إذاعة قطر في 25 يونيو 1968، ثم تأسيس التلفزيون القطري عام 1970، بدأت تتشكل ملامح إعلام وطني حديث، كان أحمد عبدالملك أحد رواده الأوائل. هذه المؤسسات لم تكن مجرد قنوات للبث، بل كانت منارات ثقافية أسهمت في توعية المجتمع وتثقيفه، وفتحت الأبواب أمام المواهب المحلية لتقديم إبداعاتها، مما يبرز الأهمية التاريخية لدوره في تلك الحقبة التأسيسية.
رحلة إبداعية متعددة الأوجه: من المايكروفون إلى القلم الأكاديمي
أحمد عبدالملك، علامة قطرية مسجلة في عالم الإعلام المسموع والمرئي منذ أواسط عقد السبعينات، بعد أن أطلقت إذاعة قطر بثها، ثم صار وجهاً مألوفاً على شاشة التلفزيون القطري. لم تتوقف رحلته الإبداعية عند هذا الحد، بل امتدت ليصبح اسماً لامعاً ككاتب صحفي في أولى مطبوعات البلاد، مجلة «العروبة»، التي أسسها عميد الصحافة القطرية وعرابها المرحوم عبدالله بن حسين نعمة (1915 ــ 1995) في عام 1970. كانت «العروبة» في تلك الفترة تمثل منبراً حراً للفكر والأدب، وشكلت حاضنة للعديد من الأقلام الشابة، ومنها قلم عبدالملك الذي بدأ بنشر مقالاته الأدبية والاجتماعية فيها، مما يعكس دوره في إثراء المحتوى الصحفي الوطني.
التحول إلى عالم الرواية: مرآة للتحولات الاجتماعية
من كتابة المقالات، انطلق عبدالملك ليخوض تجربة الكتابة القصصية والروائية، ويصبح واحداً من أبرز أعمدتها في الخليج. لم تكن رواياته مجرد سرد للأحداث، بل كانت مرآة تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي شهدتها قطر ودول المنطقة. لقد وثق في أعماله الروائية قصصاً وحكايات مشوقة من واقع الحياة، ومن تجاربه الشخصية وتجارب مجايليه، مقدماً بذلك سجلاً حياً لتاريخ المجتمع القطري والخليجي المعاصر. هذا التوثيق الأدبي له أهمية بالغة في حفظ الذاكرة الجمعية وتفسير التغيرات التي طرأت على المنطقة، ويساهم في فهم الأبعاد الإنسانية للتنمية السريعة التي شهدتها دول الخليج.
الوفاء للإعلام وتطوير الكوادر الوطنية
وما بين هذا وذاك، لم ينسَ الرجل عشقه الأول (المايكروفون) وذكرياته كمذيع في شبابه المبكر. إذ ظل مخلصاً للإذاعة والتلفزيون، يتقصى أخبارهما ويحاول الإسهام، ما استطاع إليه سبيلاً، في تطويرهما من خلال دورات وورش عمل للمذيعين والمذيعات الجدد من الكوادر الوطنية. كان يؤرقه ويزعجه تساهل المذيعين الجدد إزاء الأخطاء النحوية واللفظية، فكان يتابعهم ويرصد أخطاءهم وينبههم إليها، حتى عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل «X»، إيماناً منه بأهمية اللغة العربية السليمة في الخطاب الإعلامي. هذا الدور التوجيهي يعكس التزامه بالجودة المهنية وحرصه على الارتقاء بمستوى الإعلام القطري، مما يضمن استمرارية التميز في هذا القطاع الحيوي.
مسيرة شخصية وعلاقات مهنية
تعرف عليه الكاتب شخصياً في العقود الثلاثة الماضية، وربطتهما زمالة المهنة وهواية السفر بوشائج حميمة، خصوصاً أنهما من جيل واحد، وشهدا أحداثاً وتطورات وحكايات متشابهة. ترسخت علاقتهما أكثر فأكثر من خلال المشاركة في العديد من المنتديات الفكرية والإعلامية والثقافية داخل الخليج وخارجه، ناهيك عن لقاءاتهما في البحرين التي يحبها ويتردد عليها، وله فيها أهل وخلان، مما يبرز عمق علاقاته الإنسانية والمهنية.
نشأة وتحديات وبدايات مهنية
وُلد أحمد جعفر عبدالملك الحمادي في الدوحة في 1 يناير 1951، ابناً لأسرة عاشت سنوات طويلة بمدينة المحرق البحرينية، قبل أن تنتقل إلى قطر. أكمل تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في ظروف معيشية صعبة، ليدخل سوق العمل مبكراً بوظيفة كتابية بالبنك البريطاني براتب 400 ريال شهرياً. في عام 1967، انضم إلى فرقة الأضواء الموسيقية، التي كانت تحت قيادة الموسيقار الراحل عبدالعزيز ناصر. هذه الفرقة كانت نقطة تحول، حيث أينعت مواهبه في كتابة المسلسلات الإذاعية منذ عام 1969، وكانت مدخله إلى الإذاعة القطرية التي فتحت أبوابها لأعضاء الفرقة بدعم من مديرها عبدالرحمن المعضادي، مما يوضح كيف بدأت مسيرته المهنية المتنوعة.
من الإذاعة إلى التلفزيون: صقل الموهبة الإعلامية
تم قبول عبدالملك في الإذاعة مذيعاً للنشرات الرئيسية بدءاً من عام 1974. وقد وصف هذه الفترة في كتابه «بوح السبعين» (2023) بأنها «نقلة كبيرة في حياتي، غيرت مزاجي ونبهتني إلى موهبتي في الكتابة، وأدخلتني عالم الثقافة والفن، وعرفتني كيفية إعداد وتقديم البرامج». من الإذاعة، انتقل إلى التلفزيون، حيث نجح في التغلب على خجله ليصبح مذيعاً ومقدم برامج تلفزيونية مشوقة، مستفيداً من توجيهات مديره الفلسطيني جواد مرقة وزملائه فوزي الخميس وطلال السادة وعبدالعزيز السيد وعبدالله فرج وعبدالله السعدي وغيرهم، وزميلاته كوثر مطر وليلى الأطرش وذهبية غابي. كما أثرت إيفاداته إلى دول خليجية وعربية في إثراء ثقافته ومعارفه من خلال عمل تحقيقات مصورة وإجراء حوارات مع مبدعيها ورموزها، مما عزز من خبراته الإعلامية.
الصحافة: من كاتب مقال إلى رئيس تحرير
استمر في عمله التلفزيوني حتى عام 2004، لكن شغفه بالصحافة لم ينقطع. بدأ بالكتابة في زاوية «براعم أدبية» بمجلة «الدوحة» عام 1969، ثم انضم إلى كتاب مجلة «العروبة» بدعم من مالكها ورئيس تحريرها المرحوم عبدالله حسين نعمة. ومنها انتقل إلى صحف «العرب»، «الراية»، «الشرق»، و«الوطن». في عام 2000، اختير رئيساً لتحرير جريدة «الشرق»، وهو منصب لم يكن يتوقعه. تخللت سنوات عمله الصحفي رحلاته الدراسية، لكنه حافظ على دوره الصحفي التنويري عن بُعد، مفضلاً عدم الانقطاع عن ممارسة دوره الصحفي التنويري، مؤكداً على أهمية الكلمة المكتوبة في تشكيل الوعي العام وتوجيه الرأي.
التحصيل العلمي والخبرات الدولية
على الرغم من ظروفه، أكمل تعليمه الجامعي في جامعة بيروت العربية طالباً منتسباً لكلية الآداب بقسم اللغة العربية، وحصل على الليسانس في الآداب عام 1976 بعد أداء الامتحانات في جامعة الإسكندرية بسبب اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. عُين بعدها رئيساً لوحدة النصوص والترجمة ثم مراقباً للأخبار في التلفزيون، مستفيداً من إتقانه للعربية والإنجليزية. في عام 1979، حصل على بعثة لنيل الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك (1983)، ثم الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز بمدينة كارديف ببريطانيا عام 1989. هذه الرحلات التعليمية الدولية لم تكن مجرد محطات أكاديمية، بل كانت فرصاً لاكتساب رؤى عالمية أثرت في مسيرته المهنية والفكرية، ووسعت من آفاقه المعرفية.
الحياة الأسرية والمساهمات الإقليمية
في ويلز، رافقته عائلته، حيث اقترن بالشيف المعروفة السيدة عائشة التميمي، وأنجبا ابنتهما الإعلامية والكاتبة والمستشارة المعروفة «أمل»، وابنهما الوحيد «محمد» مسؤول تطوير الكادر الوظيفي بالبنك التجاري وصاحب أول أكاديمية طبخ في قطر. كما ساهم عبدالملك في تأسيس تلفزيون الشارقة الحكومي، وعمل في الكويت ضمن فريق إعداد مسلسل الأطفال «افتح يا سمسم» من إنتاج «مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون» عام 1977، وشغل منصب مدير الشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي في الرياض من 1993 إلى 1999، حيث عاصر وعمل مع أمينين عامين للمجلس، مما يؤكد على بصمته الإقليمية الواسعة وتأثيره في المشهد الإعلامي الخليجي.
العمل الأكاديمي: تحديات وتجديد
في عام 1983، بدأ عبدالملك مسيرته الأكاديمية بالتعاون مع جامعة قطر، وقت أن كانت مجرد كلية للتربية، لتدريس مادتي «الاتصال» و«الإنتاج التلفزيوني». ورغم حملة إقصاء تعرض لها عام 2004 من بعض الأساتذة المؤدلجين، عاد للتدريس في كلية المجتمع عام 2013 بدعوة من الدكتور إبراهيم بن صالح النعيمي، حيث أمضى بها حتى الآن نحو 16 عاماً محاضراً في قسم الإنسانيات، مجدداً أساليب التدريس بعيداً عن أسلوب الحفظ والتلقين العقيم، وحقق نجاحات يشهد بها الجميع. هذا الجانب من مسيرته يبرز التزامه بتنمية الأجيال الجديدة وتطوير المناهج التعليمية، مما يعكس رؤيته التقدمية في التعليم.
إرث أدبي وفكري يمتد لأربعة عقود
قبل أن يحصد «جائزة كتارا للرواية العربية» مرتين في 2019 و2022 عن روايتَي «ميهود والجنية» و«دخان» على التوالي، وقبل أن يحصد «جائزة فودافون للرواية» عام 2014، و«جائزة فودافون للقصة القصيرة» عام 2016؛ أصدر عبدالملك تسعة عشر مؤلفاً غير أدبي بين 1983 و2025، تتناول الإعلام والثقافة والتربية. أما مؤلفاته الأدبية فتبلغ 13 كتاباً، ورواياته 14 رواية، تتميز بالعمق والأسلوب الراقي المؤثر والجدة والحداثة، وتتنوع بين القصص الواقعية والخيالية، مقدمة بذلك إرثاً أدبياً غنياً يعكس رؤيته الثاقبة للمجتمع والإنسان. هذه الأعمال ليست مجرد إنجازات فردية، بل هي مساهمات قيمة في المكتبة العربية، وتثري المشهد الأدبي الخليجي، وتوفر مادة غنية للباحثين والمهتمين بدراسة تطور الرواية والقصة القصيرة في المنطقة، مما يؤكد على مكانته كقيمة أدبية وفكرية.
الخاتمة: تأثير مستمر وبصمة خالدة
إن مسيرة أحمد عبدالملك الحافلة بالإنجازات في الإعلام والرواية والعمل الأكاديمي تمثل نموذجاً يحتذى به في العطاء والتفاني. لقد أسهمت أعماله في إثراء المحتوى الإعلامي والثقافي والأدبي في قطر والخليج، وترك بصمة واضحة في تطوير الكوادر الإعلامية والأكاديمية. تأثيره لم يقتصر على الجانب المهني فحسب، بل امتد ليلامس الوجدان الثقافي للمنطقة، مقدماً رؤى عميقة حول التحولات الاجتماعية والإنسانية. هو بحق قامة وطنية وإقليمية تستحق التقدير، ورمز للإبداع والتجديد في عالم يتسارع فيه التغيير، مما يجعله شخصية خالدة في تاريخ الثقافة والإعلام بالمنطقة.


