شدد نخبة من الأكاديميين والخبراء على الأهمية البالغة لضمان الاستخدام المنضبط لتقنيات الذكاء الاصطناعي في كليات الإعلام، مؤكدين أن هذا التوجه لم يعد خياراً بل ضرورة ملحة لتطوير الدور الأكاديمي. وأوضحوا أن التعامل الملائم مع هذه التقنيات المتقدمة يجب أن ينعكس بشكل مباشر على الخطط الدراسية والمناهج التعليمية في أقسام الإعلام بالجامعات لتخريج كوادر مؤهلة.
التطور التاريخي لدخول التقنية في التعليم الأكاديمي
تاريخياً، شهد قطاع الإعلام والتعليم الأكاديمي تحولات جذرية مع التطور التكنولوجي المتسارع. ففي العقد الماضي، بدأت المؤسسات الإعلامية الكبرى عالمياً في استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لأتمتة الأخبار وتحليل البيانات الصحفية. ومع الظهور القوي لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي مؤخراً، تسارع هذا التحول ليشمل قطاع التعليم العالي بشكل غير مسبوق. هذا السياق التاريخي يفرض على المؤسسات الأكاديمية ضرورة التكيف السريع لتجنب اتساع الفجوة بين المخرجات التعليمية والواقع المهني المتطور باستمرار.
تحديث الخطط الدراسية لمواكبة العصر
وفي هذا السياق، أكد البروفيسور حسن منصور، أستاذ الإعلام الرقمي في جامعة الملك سعود، وجود حاجة ماسة لفهم كيفية تطوير الخطط الدراسية لكليات وأقسام الإعلام في الجامعات السعودية، بما يواكب تقنيات الذكاء الاصطناعي ويعزز الوعي بها. وأضاف أن هذه التقنيات لم تعد حكراً على المتخصصين في علوم الحاسوب، بل تغلغلت في كافة مجالات الحياة، مما يحتم على المعنيين بقطاع الإعلام الاستثمار الحكيم فيها. وأشار إلى وجود فجوة واضحة في تحقيق الأهداف التعليمية الحالية، مقترحاً مسارين: مسار عاجل لتحديث توصيفات المقررات، ومسار طويل المدى لإجراء تغييرات هيكلية تعد خريجاً واعياً قادراً على تقييم الآثار والأخلاقيات دون الحاجة لتحويله إلى مبرمج.
مخاوف وتطلعات الأكاديميين تجاه الذكاء الاصطناعي في كليات الإعلام
من جانبه، دعا الدكتور حبشي الشمري، نائب المشرف على كرسي الدكتور إبراهيم المهنا لإعلام الطاقة، الجامعات إلى اعتماد تطبيقات محددة بدلاً من ترك المجال مفتوحاً، مع تنظيم دورات تدريبية للأساتذة وتحديث القواعد الأخلاقية. واستند الشمري إلى دراسة حديثة شملت 84 عضو هيئة تدريس في 5 جامعات سعودية، أظهرت أن 8 من كل 10 محاضرين يثقون بقيمة دورهم الشخصي، ويرون التقنية كأداة مساعدة ترفض الغالبية أن تحل محلهم مستقبلاً. ورغم الفوائد المتمثلة في تسريع المهام وتطوير مهارات الطلاب، أبدى الأكاديميون مخاوف حقيقية تتعلق بالجوانب الأخلاقية والقانونية، واحتمالية الانتحال العلمي، مما يعكس تعاملاً حذراً وواعياً مع هذه التقنيات.
التأثير المتوقع على المستويات المحلية والإقليمية والدولية
إن دمج هذه التقنيات الحديثة في المناهج يحمل تأثيراً واسع النطاق ومتعدد الأبعاد. على الصعيد المحلي، يسهم ذلك بشكل مباشر في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 من خلال بناء اقتصاد معرفي ورقمي قوي وتأهيل شباب قادرين على قيادة المستقبل. وإقليمياً، يعزز من ريادة الجامعات العربية في تقديم نماذج تعليمية مبتكرة تُحتذى في المنطقة. أما دولياً، فإنه يضمن تخريج كوادر إعلامية قادرة على المنافسة في سوق العمل العالمي الذي بات يعتمد بشكل شبه كلي على تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى وتوجيهه للجمهور المستهدف.
تحول بنيوي في فلسفة تعليم الإعلام
وفي سياق متصل، أكدت باحثة الدكتوراه في قسم الإعلام بجامعة الملك سعود، نهر حريري، أهمية تفعيل البرامج الأكاديمية المعززة بالذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن هذا التوجه يمثل تحولاً بنيوياً عميقاً في فلسفة تعليم الإعلام وبنيته المؤسسية. وأوضحت أن مستقبل الدراسات الإعلامية يرتبط بقدرة الجامعات على الانتقال إلى نماذج تعليمية مرنة قائمة على الكفاءات ومتصلة بمتطلبات سوق العمل الرقمي. وشددت على أن تنظيم استخدام هذه التقنيات وتوجيهها أخلاقياً يعد أكثر فاعلية من منعها، محذرة من أن الجمود المؤسسي قد يهدد القيمة المهنية لتخصص الإعلام، بينما يتيح التكيف المنهجي فرصاً واعدة لتعزيز تنافسية الخريجين في البيئة الإعلامية الرقمية المتسارعة.


