في عصر تتسارع فيه وتيرة الابتكار التكنولوجي، يبرز تساؤل جريء: هل سيشهد العالم قريبًا ظهور أول تريليونير في التاريخ؟ والأكثر إثارة للدهشة، هل سيكون هذا الشخص رائد أعمال يعمل من منزله، معتمدًا على قوة الذكاء الاصطناعي؟ لم يعد هذا السيناريو مجرد خيال علمي، بل أصبح فرضية واقعية يناقشها كبار المستثمرين والخبراء، وعلى رأسهم الملياردير الأمريكي مارك كوبان، الذي يرى أن خريطة الثروة العالمية على وشك أن تتغير بشكل جذري.
خلفية تاريخية: الثورات التكنولوجية وصناعة الثروات
على مر التاريخ، ارتبطت القفزات الهائلة في الثروة الفردية بالثورات التكنولوجية الكبرى. ففي القرن التاسع عشر، أدت الثورة الصناعية إلى ظهور أقطاب مثل جون روكفلر في صناعة النفط وأندرو كارنيغي في صناعة الصلب، ليصبحوا من أوائل المليونيرات في عصرهم. وفي أواخر القرن العشرين، جاءت ثورة الحوسبة الشخصية والبرمجيات لتصنع ثروة بيل غيتس عبر “مايكروسوفت”. ومع بزوغ فجر الإنترنت في التسعينيات، ظهر جيل جديد من المليارديرات مثل جيف بيزوس مع “أمازون” ولاري بايج وسيرجي برين مع “جوجل”. كل ثورة من هذه الثورات أتاحت أدوات ونماذج عمل جديدة مكّنت أفرادًا من بناء إمبراطوريات اقتصادية غير مسبوقة. واليوم، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه المحرك للثورة التكنولوجية القادمة، وبوابة لصناعة ثروات قد تتجاوز كل ما سبقها.
رؤية مارك كوبان: تريليونير من القبو
يرى مارك كوبان، نجم برنامج “Shark Tank” وأحد أبرز المستثمرين في قطاع التكنولوجيا، أن الذكاء الاصطناعي يمتلك إمكانات اقتصادية هائلة قادرة على دمقرطة الابتكار بشكل لم يسبق له مثيل. ففي مقابلة حديثة مع بودكاست “High Performance”، صرح كوبان بثقة: «قد يكون أول تريليونير شخصًا يعمل من قبو منزله، وليس من مقرات شركات التكنولوجيا العملاقة». ويستشهد كوبان بأمثلة تاريخية لشركات عالمية انطلقت من بدايات متواضعة للغاية، مثل:
- شركة “آبل” (Apple): التي بدأت في مرآب منزل ستيف جوبز.
- شركة “أمازون” (Amazon): التي انطلقت من مرآب جيف بيزوس.
- شركة “OpenAI”: التي تأسست في غرفة معيشة أحد مؤسسيها عام 2015.
ويؤكد كوبان أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحله التمهيدية، وأن التطبيقات الأكثر ثورية لم تظهر بعد، لكنها عند ظهورها ستُحدث ثورة مالية تتيح للأفراد بناء ثروات ضخمة بسرعة فائقة وبموارد أقل بكثير مما كان مطلوبًا في الماضي.
التأثير العالمي: كيف سيغير الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة؟
إن ظهور تريليونير بفضل الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد حدث مالي، بل سيحمل في طياته تأثيرات عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى عكس الثورات السابقة التي تطلبت بنية تحتية ضخمة ورأس مال كبير، يتيح الذكاء الاصطناعي لأي شخص يمتلك فكرة مبتكرة وجهاز كمبيوتر الوصول إلى أدوات تحليلية وإبداعية وإنتاجية كانت حكرًا على الشركات الكبرى. هذا التحول قد يؤدي إلى تسريع وتيرة الابتكار في مجالات حيوية مثل الرعاية الصحية، والطاقة النظيفة، والتعليم، ولكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف بشأن اتساع فجوة الثروة، وتأثيره على أسواق العمل التقليدية، والحاجة إلى أطر تنظيمية وأخلاقية جديدة للتعامل مع هذه القوة التكنولوجية الهائلة.
تحذيرات وواقعية: الذكاء الاصطناعي أداة وليس بديلاً
على الرغم من حماسه الكبير، لا يغفل كوبان عن تقديم رؤية واقعية. فهو لا يكتفي بالحديث النظري، بل يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT يوميًا لتنظيم أعماله ومتابعة حالته الصحية. لكنه يحذر قائلًا: «الذكاء الاصطناعي يشبه الحديث مع صديق خبير، لكنه لا يغني عن التحقق واستشارة المختصين». ويشدد الخبراء على ضرورة التعامل النقدي مع هذه التكنولوجيا، خاصة في المجالات الحساسة كالصحة والقانون والمال، حيث يمكن أن تكون الأخطاء مكلفة. فالذكاء الاصطناعي ليس عصا سحرية، بل هو أداة قوية تفتح آفاقًا جديدة للإبداع وريادة الأعمال، وقد يكون بالفعل العامل الحاسم في صناعة أول تريليونير في التاريخ.


