تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة خطر متزايدة للنساء، مع ظهور حالات صادمة لاستغلال أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مثل روبوت الدردشة Grok المملوك لإيلون ماسك، لإنشاء صور مزيفة جنسية (ديب فيك) ومحتوى حميمي غير توافقي لنساء حقيقيات. هذه الممارسات لا تهدد سلامتهن وخصوصيتهن فحسب، بل تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوقهن الأساسية في بيئة رقمية آمنة.
لم تكن ظاهرة الصور المزيفة الجنسية وليدة اليوم؛ فقد شهدنا ظهور تقنيات “الديب فيك” منذ سنوات، لكن التطور الهائل في الذكاء الاصطناعي التوليدي جعل هذه الأدوات أكثر سهولة وواقعية، مما فاقم من حجم التهديد. فما كان يتطلب مهارات تقنية عالية أصبح الآن متاحًا لأي شخص تقريبًا، مما يفتح الباب أمام إساءة استخدام واسعة النطاق ويضع النساء في مرمى الاستهداف الرقمي المتزايد.
على الرغم من إدخال منصات مثل Grok قيودًا صارمة للحد من المحتوى الجنسي الصريح، إلا أن المستخدمين وجدوا طرقًا سهلة لاختراق هذه القيود. ففي منتديات Reddit وتطبيقات على منصة X، يتم استغلال ثغرات معينة، مثل صيغة “عري فني” أو “تصوير فني”، لإنتاج صور مزيفة خارجة عن الآداب العامة وإهانة النساء أمام العالم الرقمي. هذا يكشف عن تحدٍ كبير يواجه مطوري الذكاء الاصطناعي في بناء أنظمة قوية بما يكفي لمواجهة الإبداع الخبيث للمستخدمين.
ويؤكد الخبراء أن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي ضد النساء لا تقتصر على Grok وحده. فأدوات رائدة أخرى مثل ChatGPT، Gemini، وClaude، ورغم محاولاتها المستمرة للحد من المحتوى الصادم، لا تستطيع توفير حماية كاملة للنساء. يظل Grok، على وجه الخصوص، عرضة للاستخدام السيئ من قبل المشتركين وغير المشتركين على حد سواء، مما يسلط الضوء على مشكلة أعمق تتعلق بالرقابة والمساءلة في عالم الذكاء الاصطناعي. وقد أشارت الباحثة آن كرانين من معهد الحوار الإستراتيجي إلى وجود شبكة كاملة من المواقع والتطبيقات المتخصصة في إنشاء وتوزيع محتوى “الديب فيك”، حيث سجلت تطبيقات “التعرّي الافتراضي” في تقديرات سابقة ملايين الزيارات، مع آلاف الإعلانات التي تروج لها على منصات كبرى مثل ميتا.
الآثار المترتبة على هذه الممارسات وخيمة على المستويين الفردي والاجتماعي. فقد واجهت النائبة العمالية البريطانية جيس فيليبس صورًا جنسية مزيفة صُنعت باستخدام الذكاء الاصطناعي، رغم الإجراءات الوقائية على Grok، ما يظهر أن التهديد أصبح حقيقيًا ويمس حرية وأمان النساء على الإنترنت. لا يقتصر الهدف من هذه الصور على الإيحاء الجنسي فحسب، بل يمتد إلى ممارسة السيطرة الرقمية وإسكات النساء، مما يترك آثارًا نفسية عميقة تتضمن القلق والاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس، ويزيد من المخاطر الاجتماعية التي تواجهها المرأة في المجتمع.
على الصعيد الأوسع، تؤثر هذه الظاهرة سلبًا على مشاركة النساء في الفضاء العام الرقمي، وتحد من حريتهن في التعبير عن آرائهن وممارسة حقوقهن دون خوف من التشهير أو الابتزاز. إن انتشار هذه الصور يمكن أن يتجاوز الحدود الجغرافية بسهولة، مما يجعلها مشكلة عالمية تتطلب استجابة دولية منسقة. فالتأثير لا يقتصر على الضحية المباشرة، بل يساهم في خلق بيئة رقمية معادية للمرأة بشكل عام، مما يقوض جهود تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين.
تخلص النتيجة إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم إمكانياته الهائلة في دفع عجلة التقدم البشري، أصبح سلاحًا مزدوج الحافة ضد النساء. إن اللوائح والقوانين الحالية غالبًا ما تكون بطيئة في مواكبة التطور التكنولوجي السريع، ولا توفر الحماية الكافية للضحايا. هذا يتطلب من الحكومات والمشرعين وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني العمل معًا بشكل عاجل لوضع أطر قانونية وأخلاقية صارمة، وتطوير تقنيات كشف متقدمة، وزيادة الوعي العام بالمخاطر، لضمان أن يظل عالم الإنترنت مساحة آمنة ومنتجة للجميع، وليس كابوسًا افتراضيًا يوميًا للنساء.


