spot_img

ذات صلة

«آخر سهرة في طريق ر.»: فيلم سعودي مستقل يعبر للعالم رقمياً

يشهد المشهد السينمائي السعودي المستقل نقلة نوعية مع الإعلان عن انطلاق الفيلم السعودي «آخر سهرة في طريق ر.» للمخرج والكاتب المبدع محمود صباغ، نحو مرحلة جديدة من الانتشار العالمي الواسع. فاعتبارًا من 2 فبراير القادم، سيبدأ التوزيع الرقمي الدولي للفيلم، ليقدم للعالم عملًا فنيًا متفردًا ينبض بروح السينما السعودية المستقلة، ويعكس مقاربة واقعية وجريئة تتناول تحولات المجتمع المعاصر. يتميز الفيلم بلغة بصرية صادقة وأسلوب سردي يتجاوز القوالب التجارية التقليدية، ليقدم تجربة إنسانية عميقة غنية بالتفاصيل والدلالات، مؤكدًا على قدرة الفن على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

يُعد هذا الفيلم امتدادًا لمسار إبداعي راسخ يعتمد على الرهان الجمالي والفكري، ويبرهن على قدرة السينما المحلية على مخاطبة جمهور عالمي مع الاحتفاظ بخصوصيتها الثقافية الأصيلة. هذه الخطوة لا تقتصر على عرض فيلم فحسب، بل تمثل تأكيدًا على نضج الصناعة السينمائية السعودية الناشئة وقدرتها على إنتاج محتوى ذي جودة عالمية.

وسيكون الفيلم، الذي أنتجته «الحوش برودكشونز»، متاحًا للمشاهدة عبر مجموعة من المنصات الرقمية العالمية الرائدة، بما في ذلك Apple TV وGoogle Play وPrime Video. ستبدأ العروض في المملكة المتحدة وأيرلندا وبقية الأسواق الناطقة بالإنجليزية في 2 فبراير، على أن يتبعها الإطلاق في الولايات المتحدة وكندا بتاريخ 3 فبراير، مما يضمن وصولًا واسعًا للفيلم إلى جمهور متنوع حول العالم.

تتولى شركة التوزيع الفرنسية المرموقة Under The Milky Way إدارة عملية التوزيع الرقمي الدولي، بدعم من وزارة الثقافة الفرنسية. هذه الشراكة تعكس الثقة الأوروبية المتنامية في جودة السينما السعودية المستقلة وإمكانياتها، وتؤكد على قدرتها على النفاذ إلى أسواق العرض العالمية التنافسية، مما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون الثقافي والفني بين المملكة والعالم.

السياق التاريخي لنهضة السينما السعودية:

يأتي هذا الإنجاز في سياق تحول ثقافي كبير تشهده المملكة العربية السعودية، خاصة بعد رفع الحظر عن دور السينما في عام 2017 ضمن رؤية 2030 الطموحة. هذه الرؤية لم تقتصر على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل شملت دعمًا غير مسبوق للقطاع الثقافي والفني، مما أفسح المجال أمام جيل جديد من المخرجين والمنتجين السعوديين للتعبير عن أنفسهم وتقديم قصصهم للعالم. قبل هذا التحول، كانت السينما السعودية تعتمد بشكل كبير على الجهود الفردية والمهرجانات الدولية كمنفذ وحيد، لكن اليوم، أصبحت هناك بنية تحتية ومؤسسات داعمة تساهم في نمو هذه الصناعة وتطورها.

محمود صباغ: رائد السينما المستقلة السعودية:

يستند هذا الحضور العالمي الجديد إلى تجربة محمود صباغ الممتدة والعميقة في صناعة السينما البديلة. يُعد صباغ من أبرز رواد السينما المستقلة في المملكة منذ عام 2013، وقد أسهم بشكل مباشر في تشكيل ملامح الجيل الجديد من صُنّاع الأفلام السعوديين. برز اسمه عالميًا بقوة مع فيلمه «بركة يقابل بركة»، الذي حقق إنجازات تاريخية؛ فقد عُرض لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي عام 2016، ليصبح أول فيلم سعودي طويل يُعرض على شاشة هذا المهرجان العريق. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل سجّل سابقة بكونه أول فيلم سعودي يُرشّح لجائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية ضمن حفل توزيع جوائز الأوسكار التاسع والثمانين، مما وضع السينما السعودية على الخريطة العالمية. كما امتد حضوره إلى صناعة القرار السينمائي الدولي، حيث شارك عضوًا في لجنة تحكيم جائزة أفضل فيلم في الدورة 67 لمهرجان برلين السينمائي الدولي، مؤكدًا على مكانته الفنية المرموقة.

وفي أكتوبر 2017، أعلن صباغ عن مشروعه الطويل الثاني «عمرة والزواج الثاني»، الذي جرى تصويره بالكامل داخل المملكة العربية السعودية، في تأكيد إضافي على رهانه على البيئة المحلية بوصفها فضاءً سرديًا وبصريًا غنيًا وملهمًا. عُرض الفيلم دوليًا لأول مرة ضمن مهرجان لندن السينمائي الدولي عام 2018، قبل أن يشارك في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأربعين، ليواصل بذلك ترسيخ حضوره في المنصات السينمائية الكبرى وتقديم رؤيته الفنية المميزة.

الأهمية والتأثير المتوقع:

إن إطلاق فيلم «آخر سهرة في طريق ر.» رقميًا على مستوى عالمي يحمل في طياته أهمية بالغة وتأثيرات متعددة الأبعاد. على الصعيد المحلي، يعزز هذا الإنجاز الثقة في المواهب السعودية الشابة ويشجع على المزيد من الإنتاج السينمائي المستقل، مما يساهم في بناء هوية سينمائية سعودية فريدة تعكس ثراء الثقافة المحلية وتنوعها. كما يدعم هذا التوجه الاقتصاد الإبداعي ويوفر فرص عمل جديدة في قطاع السينما المزدهر.

إقليميًا، يضع هذا الفيلم المملكة العربية السعودية في طليعة الدول المنتجة للأفلام في المنطقة، ويشجع على تبادل الخبرات والتعاون بين صُنّاع الأفلام العرب، مما قد يؤدي إلى نهضة سينمائية إقليمية أوسع. أما دوليًا، فيمثل الفيلم نافذة مهمة للعالم للاطلاع على المجتمع السعودي من منظور داخلي أصيل، بعيدًا عن الصور النمطية. إنه يساهم في تعزيز التفاهم الثقافي ويفتح قنوات للحوار بين الحضارات، كما يجذب الانتباه إلى الإمكانيات الاستثمارية في قطاع الترفيه السعودي. إن التوزيع الرقمي يضمن وصول الفيلم إلى ملايين المشاهدين في مختلف القارات، مما يعظم من تأثيره الثقافي والفني ويؤكد على أن القصص المحلية يمكن أن تكون عالمية في مداها وتأثيرها.

spot_imgspot_img