
يشخص المفكر الجزائري العفيفي فيصل واقع العالم الإسلامي اليوم بأنه يعيش تحت وطأة أزمة فكرية ودينية حادة، تتجلى بوضوح في الجمود الذي أصاب البنية الفقهية التقليدية. ويرى العفيفي أن هذه البنية لم تعد قادرة على استيعاب التحولات الاجتماعية والمعرفية المتسارعة التي يشهدها العصر الحديث، مشيراً إلى أن الإشكالية تكمن في التعامل مع مدونات التفسير والفقه القديمة كحقائق نهائية مقدسة، بدلاً من اعتبارها اجتهادات بشرية قابلة للصواب والخطأ، مما يستدعي إعادة تأسيس نظريات جديدة في "الأنسنة الدينية".
مفهوم أنسنة النصوص: بين التراث والمعاصرة
وفي طرحه الجريء، يوضح صاحب كتاب "تصوّر السببية بين المدارس الكلامية الكلاسيكية والفكر المعاصر" أن الدعوة إلى أنسنة النصوص لا تعني بأي حال من الأحوال القطيعة مع التراث أو إلغاءه. بل تهدف هذه المقاربة إلى إعادة التراث إلى حجمه الطبيعي والتاريخي بوصفه نتاجاً لتجربة عقلية بشرية محكومة بظروف زمانها ومكانها، وليست نموذجاً صالحاً للتطبيق الحرفي في كل العصور. ويؤكد العفيفي أن الأزمة لم تكن يوماً في النص القرآني المؤسس، بل في تحويل "الفهم البشري" لهذا النص إلى سلطة مغلقة، مما جعل الماضي يهيمن على المستقبل، وحول الاجتهاد إلى مجرد عملية تكرار لأجوبة قديمة على أسئلة لم تعد مطروحة في واقعنا المعاصر.
السياق التاريخي: من العصر الذهبي إلى الانحطاط
ولفهم جذور هذه الأزمة، يعود بنا السياق إلى التاريخ الفكري للإسلام، حيث يرفض العفيفي الاتهامات الاستشراقية التي تصف الإسلام بأنه منظومة مناهضة للعقل. ويستدل على ذلك باللحظات التأسيسية للحضارة الإسلامية التي شكلت فضاءً معرفياً رحباً تلاقحت فيه الفلسفة مع العلوم الطبيعية والرياضيات. فقد قدمت الحضارة الإسلامية أسماء لامعة مثل الفارابي، وابن سينا، وابن الهيثم، والخوارزمي، وابن رشد؛ وهم الذين شكلوا الجسر المعرفي الذي عبرت منه الفلسفة اليونانية إلى أوروبا، مما مهد لعصر النهضة هناك.
غير أن هذا الوهج العقلاني تعرض لانتكاسة كبرى فيما يُعرف بعصور الانحطاط، وتحديداً بعد أفول شمس الأندلس ورحيل ابن رشد. منذ تلك اللحظة، انكفأت العقلانية الإسلامية لصالح خطاب فقهي مغلق يعتمد على النقل والحفظ بدلاً من العقل والنقد. وقد أدى هذا التحول إلى تراجع الحس العلمي وتوقف سؤال الوجود، مما رسخ بنية معرفية تقليدية عاجزة عن الإبداع، وهو ما يفسر الفجوة الحضارية الحالية.
ضرورة القراءة الحداثية للنص
وفي ختام رؤيته، يشدد العفيفي فيصل على أن القرآن الكريم نص متعدد الطبقات، يجمع بين الدلالات المباشرة والأبعاد الرمزية، وهو ما يجعله مفتوحاً على التأويل المستمر. ومن هنا، فإن القراءة الحداثية التي تستعين بمناهج العلوم الإنسانية المعاصرة—كالأنثروبولوجيا، والسيميائيات، واللسانيات—ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة معرفية (إبستمية) ملحة. تهدف هذه القراءة إلى فك الاشتباك بين ما هو مقدس (النص الإلهي) وما هو تاريخي (التفسير البشري)، لتحرير النص من سلطة التراث الجامد وإعادة الحيوية إليه كنص مفتوح يواكب حركة التاريخ ولا ينغلق على إجابة واحدة.


