spot_img

ذات صلة

أدبي الباحة يناقش الحداء والنهمة: فنون التراث العربي

نظم النادي الأدبي بالباحة ندوة ثقافية قيمة تناولت مفهومي “الحداء والنهمة” في التراث العربي الأصيل، وذلك ضمن جهوده المستمرة لإحياء الموروث الثقافي وتوثيقه. وقد شهدت الندوة حضوراً لافتاً من المهتمين والباحثين في الأدب والتراث، مما يؤكد على أهمية هذه الفنون العريقة في الذاكرة الجمعية للمنطقة.

يُعد الحداء فناً شعرياً وغنائياً عريقاً، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة البادية والترحال في شبه الجزيرة العربية. كان الحادي، وهو الشاعر أو المغني، يصدح بأبياته الموزونة والمقفاة لإثارة الإبل وحثها على السير، أو للتعبير عن مشاعره وأحاسيسه خلال رحلاته الطويلة في الصحراء القاحلة. لم يكن الحداء مجرد وسيلة لتسلية الركب، بل كان له دور فعال في تنظيم حركة القوافل وتخفيف عناء السفر، كما كان مرآة تعكس قيم الفروسية والشجاعة والكرم التي تميزت بها المجتمعات البدوية الأصيلة. وتتسم قصائد الحداء ببساطتها وعمقها، وغالباً ما تتناول وصف الطبيعة الخلابة، أو مدح الشجعان، أو رثاء الأحبة، أو التغني بالوطن ومنازله.

أما النهمة، فهي فن بحري أصيل اشتهرت به مناطق الخليج العربي الساحلية، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بحياة الغوص وصيد اللؤلؤ، الذي كان يمثل عصب الاقتصاد في تلك الحقبة. كانت النهمة تُؤدى جماعياً من قبل البحارة (النهامين) على متن السفن الشراعية، وتتميز بإيقاعاتها الخاصة التي تتناغم مع حركة المجاديف أو رفع الأشرعة الثقيلة. لم تكن النهمة مجرد أغنية، بل كانت أداة تنظيمية للعمل الجماعي الشاق، ومصدراً لرفع الروح المعنوية للبحارة في عرض البحر، وملاذاً للتعبير عن الشوق الجارف للأهل والوطن، أو عن المخاطر والتحديات التي يواجهونها في رحلاتهم المحفوفة بالمخاطر. تعكس النهمة جانباً مهماً من تاريخ المنطقة الاقتصادي والاجتماعي، وتوثق قصص الكفاح والصبر التي خاضها أجدادنا في سبيل الرزق.

يمثل كل من الحداء والنهمة جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية والتراث الشفهي للمنطقة العربية. لقد تطورت هذه الفنون عبر قرون، لتصبح وعاءً لحفظ القصص والأساطير والحكم والأمثال، ووسيلة لتعليم الأجيال قيم المجتمع وتقاليده الأصيلة. إن دراسة هذه الفنون لا تقتصر على الجانب الأدبي والفني فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، مما يثري فهمنا للحضارة العربية وتطورها عبر العصور، ويسلط الضوء على عبقرية الإنسان العربي في التكيف مع بيئته.

إن تناول النادي الأدبي بالباحة لهذه المفاهيم يسهم بشكل كبير في صون التراث الثقافي غير المادي للمملكة العربية السعودية والمنطقة العربية ككل. محلياً، يعزز هذا النوع من الفعاليات الوعي بأهمية التراث بين الشباب، ويشجع على البحث والتوثيق الأكاديمي لهذه الفنون المهددة بالاندثار. إقليمياً ودولياً، يسلط الضوء على ثراء الثقافة العربية وتنوعها، ويقدم هذه الفنون كجزء أصيل من التراث الإنساني العالمي الذي يستحق الحفظ والاحتفاء به. كما أن إحياء هذه الفنون يمكن أن يساهم في تنشيط السياحة الثقافية، وتقديم تجربة فريدة للزوار المهتمين بالتعرف على عمق التاريخ العربي وأصالته. إن مثل هذه المبادرات تضمن استمرارية هذه الفنون للأجيال القادمة، وتحميها من الاندثار في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم الحديث.

spot_imgspot_img