spot_img

ذات صلة

البشت الحساوي: تراث عالمي واعتراف اليونسكو | مهرجان الأحساء

صورة البشت الحساوي

اختتمت هيئة التراث بنجاح باهر مهرجان «البشت الحساوي»، الذي شهد توافد آلاف الزوار والمعجبين من مختلف دول الخليج والدول العربية، في احتفالية كبرى بالتراث السعودي الأصيل. وتأتي هذه النسخة الاستثنائية من المهرجان متزامنة مع حدث تاريخي هام: تسجيل «البشت» رسمياً ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو، وهو ما يمثل اعترافاً دولياً بمكانة هذه الحرفة العريقة.

البشت، ذلك الرداء الرجالي التقليدي الأنيق، ليس مجرد قطعة قماش، بل هو رمز للأصالة والهيبة في الثقافة العربية، يُلبس في المناسبات الرسمية والاحتفالات الكبرى. وتُعد الأحساء، المنطقة التاريخية في شرق المملكة العربية السعودية، مهد صناعة البشت الفاخر، حيث اشتهرت منذ قرون بإنتاج أجود أنواع البشوت المعروفة بـ “البشت الحساوي”. تتميز هذه الصناعة بدقتها المتناهية، واستخدامها لمواد طبيعية فاخرة كالصوف الخالص، وتطريزها اليدوي بخيوط الذهب والفضة، مما يمنح كل بشت قيمة فنية وتاريخية فريدة. توارثت الأسر الحساوية هذه الحرفة جيلاً بعد جيل، حافظةً على أسرارها وتقنياتها التي تتطلب مهارة عالية وصبرًا ودقة لا مثيل لها، من اختيار الأقمشة مروراً بمراحل الحياكة المعقدة وصولاً إلى التطريز اليدوي الدقيق الذي يضفي عليه لمسة من الفخامة والرقي.

إن إدراج البشت الحساوي ضمن قائمة اليونسكو للتراث غير المادي ليس مجرد تكريم، بل هو خطوة استراتيجية نحو صون هذا الإرث الثقافي الغني وضمان استدامته للأجيال القادمة. هذا الاعتراف العالمي يسلط الضوء على أهمية الحرف اليدوية كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمجتمعات، ويشجع على حمايتها من الاندثار. كما يعزز مكانة المملكة العربية السعودية على الخارطة الثقافية العالمية، ويبرز جهودها في الحفاظ على تراثها الأصيل والتعريف به دولياً. هذا الإنجاز يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثقافي ويساهم في زيادة الوعي بقيمة الحرف التقليدية.

لقد نجح المهرجان في تسليط الضوء ببراعة على قصة تحول صناعة البشت من حرفة محلية دقيقة إلى تراث إنساني عالمي، وعكس بعمق غنى الصناعات التقليدية التي اشتهرت بها الأحساء منذ القدم. لقد أبرز المهرجان مهارة العوائل الأحسائية التي توارثت حرفة حياكة البشوت، مقدمًا للزوار تجربة حسية وافتراضية متطورة في ساحات قصر إبراهيم التاريخي، أتاحت لهم الغوص في تفاصيل هذه الصناعة المعقدة.

وفي لفتة تعزز من استدامة الهوية الوطنية ونقل التراث، خصص المهرجان مساحات نوعية مبتكرة. فـ «بيت الدفة النسائية» قدم تعريفاً شاملاً بالعباءة التقليدية، مبرزاً جمالياتها وتاريخها، بينما قدم ركن «المعزب الصغير» للأطفال جرعات تراثية مكثفة عبر مسرحيات الظل والقصص والتدريب اليدوي العملي. هذه المبادرات تضمن انتقال شعلة التراث إلى الأجيال القادمة، وتغرس فيهم الفخر بوطنهم وتاريخهم، مما يعزز من الأثر المحلي والإقليمي والدولي لهذا الإنجاز الثقافي. من المتوقع أن يؤدي هذا الاعتراف والمهرجانات المشابهة إلى زيادة الاهتمام بالبشت الحساوي، ليس فقط كزي تقليدي، بل كمنتج حرفي فاخر، مما يدعم الاقتصاد المحلي ويعزز السياحة الثقافية في الأحساء والمملكة ككل.

spot_imgspot_img