
الدكتور محمد العيسى من دافوس: دعوة لنزع القداسة عن تبرير الظلم ودعم حل الدولتين
في خطوة تعكس التزامًا عميقًا بالقيم الإنسانية والعدالة، أكد الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، الدكتور محمد العيسى، خلال جلسة حوار رئيسية في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، على أهمية نزع القداسة عن أي أسلوب يهدف إلى إيجاد الذرائع للظلم والاضطهاد. جاء ذلك في سياق مناقشة محورية حول «المسؤولية الأخلاقية لقادة الأديان في الصراعات»، حيث شدد الدكتور العيسى على ضرورة دعم القادة الدينيين لإعلان نيويورك الصادر في يوليو الماضي، والذي يهدف إلى التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، وهو الإعلان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 142 صوتًا، برئاسة السعودية وفرنسا، واصفًا إياه بالخيار العادل والحكيم.
يُعد منتدى دافوس، الذي يستضيف سنويًا نخبة من قادة العالم في السياسة والاقتصاد والدين والمجتمع المدني، منصة عالمية فريدة لمناقشة التحديات الأكثر إلحاحًا التي تواجه البشرية. إن مشاركة الدكتور العيسى، بصفته شخصية دينية بارزة تمثل صوت الاعتدال والحوار، تضفي وزنًا كبيرًا على الرسالة التي يحملها، مؤكدًا على الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه القادة الدينيون في تعزيز السلام والاستقرار العالمي.
وتأتي هذه الدعوة من الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، وهي منظمة دولية رائدة تسعى لتعزيز التفاهم بين الشعوب والثقافات، ونشر قيم التسامح والاعتدال. لطالما كانت الرابطة في طليعة الجهود الرامية إلى مكافحة التطرف وتعزيز الحوار بين الأديان، مما يجعل تصريحات الدكتور العيسى من دافوس امتدادًا طبيعيًا لرسالتها العالمية في الدعوة إلى العدالة والكرامة الإنسانية.
وشدد الدكتور العيسى في الجلسة الحوارية على أهمية الاستيعاب «الصادق» و«الملموس» لقادة الأديان بأنَّ الحياةَ والكرامةَ الإنسانية، ومن ذلك حماية الأنفس والحقوق والحريات المشروعة، هي قيمةٌ عُليا يستحقُّها كلُّ إنسانٍ كمبدأ عام. هذا التأكيد على الكرامة الإنسانية كقيمة عالمية يتجاوز الانتماءات الدينية أو العرقية، ويضع أساسًا متينًا للتعايش السلمي.
ودعا الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي إلى نزع الحصانة أو القداسة عن أيِّ أسلوبٍ من أساليب إيجاد الذرائع للظلم والاضطهاد، مؤكِّدًا أنّ السكوتَ في هذا لا يُعَد حيادًا؛ بل تواطؤًا. كما دعا إلى كشفِ زيف توظيف النصوص الدينية كأدواتٍ لإشعال الحروب الظالمة أو منع الحقوق المشروعة، وهي دعوة قوية لمواجهة التفسيرات المتطرفة التي تشوه جوهر الأديان.
وفي سياق حديثه عن مآسي القتل، قال الدكتور العيسى بوضوح: «كلّ نصٍّ يُقتَطع ليُشرعِنَ القتل هو خيانةٌ للنص». هذه العبارة تلخص جوهر رسالته في رفض أي تبرير ديني للعنف، وتؤكد على أن الأديان الحقيقية تدعو إلى الرحمة والحياة، لا الدمار والموت.
وأضاف أن: «العدلُ لا يتجزّأ، ولا انتقائيةَ في الكرامة والرحمة»، وأن نزْعُ إنسانية الآخَر هو الخطوة الأولى لكلِّ كارثةٍ إنسانيةٍ، بل إلى فوضى عالَمنا، وليس للدماء البريئة تصنيفٌ يَرفع من شأن بعضها دون غيرها. هذه المبادئ تؤسس لمفهوم شامل للعدالة لا يقبل التمييز أو التجزئة.
واختتم الدكتور العيسى كلمته بتعريف جوهر دور القادة الدينيين الحقيقيين، قائلاً: «القادةُ الدينيون الحقيقيون ليسوا ناطقين باسم القوة؛ بل هم حُرّاسُ الفضيلة والعدالة، ودُعاة الحوار والسلام». هذه الرؤية تؤطر دور القيادة الدينية كقوة أخلاقية تسعى لخير البشرية جمعاء.
إن دعم حل الدولتين، الذي دعا إليه الدكتور العيسى، يمثل ركيزة أساسية للسلام في الشرق الأوسط، وهو حل يحظى بتأييد دولي واسع كسبيل وحيد لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. إن تأييد شخصية دينية بهذا الحجم لهذا الحل يعزز من شرعيته الأخلاقية والدينية، ويشجع على تضافر الجهود الدولية لتحقيقه.
رسالة الدكتور العيسى من دافوس تتجاوز حدود القضية الفلسطينية لتصبح دعوة عالمية للسلام والعدالة، وتحديًا لكل من يستغل الدين لتبرير العنف أو الظلم. إنها دعوة لتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات، ومواجهة التطرف بكل أشكاله، وتأكيد على أن القيم الإنسانية المشتركة هي الأساس لبناء عالم أكثر أمنًا وازدهارًا للجميع.


