spot_img

ذات صلة

المدينة المنورة: سكينة الروح، تاريخ الإسلام، وأهميتها العالمية

صورة المدينة المنورة

«المدينة فيها راحة نفسية»، ليست مجرد عبارة عابرة، بل هي إحساس عميق يتسلّل إلى القلب دون استئذان. شعور فريد لا يدركه حقًا إلا من عاش على أرضها أو زارها، حيث تغمرها الروحانية وتفوح منها رياحين السكينة التي تجذب الناس للعيش فيها وزيارتها، لما لها من مكانة راسخة وعميقة في نفوس المسلمين حول العالم.

المدينة المنورة، التي كانت تُعرف سابقًا باسم يثرب، ليست مجرد مدينة، بل هي قلب نابض بالتاريخ والإيمان. إنها موطن الهجرة النبوية الشريفة، النقطة المحورية التي شهدت تحولًا جذريًا في مسار الإسلام، وأصبحت أول عاصمة إسلامية للدولة الوليدة. على أرضها الطاهرة، نزلت آيات القرآن الكريم، وفي طرقاتها المباركة سار النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مؤسسًا لدولة العدل والرحمة. هذا الارتباط العميق بالرسالة النبوية يمنح المدينة مكانة لا تضاهى في نفوس المسلمين حول العالم، ويجعلها قبلة للباحثين عن السكينة الروحية والطمأنينة النفسية.

سكينة تُحس ولا تُوصف

تؤكد الباحثة في التاريخ مرام ضيف الله الحربي أن الراحة التي يشعر بها الناس في المدينة المنورة ليست أمرًا يُشرح بقدر ما يُحس. فكثيرون يأتون إليها مثقلين أو متعبين، وما إن تطأ أقدامهم أرضها حتى يهدأ الداخل دون سبب ظاهر. هذا الهدوء ينبع ربما من ارتباط المدينة بالسكينة منذ بداياتها؛ فهي المكان الذي عاش فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وارتبط عبر التاريخ بالأمان والطمأنينة.

وتضيف الحربي أن بساطة أهل المدينة ولطف تعاملهم ينعكس مباشرة على شعور الزائر بالراحة، إلى جانب كثرة المساجد، وسهولة العبادة، وقرب الأماكن ذات المعنى الديني والتاريخي، مثل المسجد النبوي الشريف ومسجد قباء وجبل أحد، مما يجعل الروح في حالة اتصال دائم وطمأنينة مستمرة. ولهذا تبقى المدينة المنورة مدينة لا تقاس بما يرى فيها، بل بما تتركه في القلب.. سكينة صادقة ترافق الإنسان حتى بعد مغادرتها.

طيبة.. ارتباط نفسي وروحي عالمي

تتجاوز أهمية المدينة المنورة حدودها الجغرافية لتصبح مركزًا روحيًا عالميًا لا مثيل له. فملايين المسلمين من شتى بقاع الأرض يتوقون لزيارتها سنويًا، سواء لأداء مناسك الحج والعمرة أو لزيارة المسجد النبوي الشريف والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. هذه الزيارات المتكررة لا تعزز فقط الروابط الروحية، بل تسهم أيضًا في تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية والإقليمية، وتدعم قطاع السياحة والضيافة في المملكة العربية السعودية. كما أنها تُعد مركزًا للتعليم الديني والبحث العلمي الإسلامي، حيث تضم جامعات ومؤسسات علمية عريقة تسهم في نشر المعرفة الإسلامية الأصيلة وتعميق الوعي بالتراث النبوي الشريف.

الأخصائية النفسية أمل المطيري تؤكد أن المدينة المنورة تمثل نموذجًا واضحًا لما يعرف بـ«الارتباط بالمكان»، إذ يتكوّن لدى الإنسان شعور عميق بالأمان والانتماء والمعنى. فالطابع الروحي للمدينة ينعكس مباشرة على سكانها وزائريها، ويمنحهم إحساسًا بالطمأنينة ينبع من جذور نفسية عميقة، مدعومة بذاكرة وجدانية مشتركة وتجربة دينية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. وتشير إلى أن هذا الأثر النفسي لا يقتصر على وجود الفرد في المكان، بل يستمر بعد مغادرته، فيتحوّل إلى سكينة داخلية واشتياق متكرر للعودة، مما يؤكد مكانتها كواحة للروح وملاذ للقلب في كل زمان ومكان.

spot_imgspot_img