يواجه فيلم «الست»، الذي يتناول السيرة الذاتية لكوكب الشرق أم كلثوم، خطر السحب من دور العرض السينمائي بعد تراجع حاد ومقلق في إيراداته. هذا التدهور يثير تساؤلات حول مستقبل الأفلام السير ذاتية الضخمة في السينما المصرية والعربية، خاصة تلك التي تتناول شخصيات بحجم وقيمة أم كلثوم الفنية والتاريخية.
تراجع صادم في الإيرادات اليومية
في مؤشر صارخ على هذا التراجع، لم يحقق فيلم «الست»، الذي تقوم ببطولته النجمة المصرية منى زكي، سوى 13,500 جنيه مصري فقط خلال أحد أيامه الأخيرة في العرض، مع بيع 99 تذكرة فقط. يُعد هذا الرقم هو الأقل على الإطلاق كإيراد يومي للفيلم، مما يعكس تحولاً جذرياً عن بداياته التي شهدت إقبالاً كبيراً وإيرادات بالملايين، قبل أن تتجه المنحنى نحو الانحدار بهذا الشكل المفاجئ.
جدل مبكر ودعم لاحق
منذ اللحظات الأولى لعرضه، أثار الفيلم جدلاً واسعاً بين الجمهور والنقاد، تركز بشكل كبير حول الفروقات الشكلية بين الفنانة منى زكي وشخصية «كوكب الشرق» الأيقونية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الجدل الأولي، حظيت منى زكي بدعم كبير وإشادة واسعة من الجمهور وعائلة أم كلثوم نفسها، التي أشادت بأدائها وقدرتها على تجسيد روح الشخصية، مما عكس توقعات بأن الفيلم سيستمر في تحقيق نجاح جماهيري وفني.
أم كلثوم: أيقونة خالدة وتحدي سينمائي
تُعد أم كلثوم، أو «كوكب الشرق»، واحدة من أبرز وأهم الشخصيات الفنية في تاريخ العالم العربي. صوتها الفريد، حضورها المسرحي الكاريزمي، وأغانيها التي لامست وجدان الملايين، جعلت منها رمزاً ثقافياً ووطنياً يتجاوز حدود الموسيقى. لقد كانت أكثر من مجرد مطربة؛ كانت ظاهرة اجتماعية وسياسية، وصوت الأمة في أوقات عصيبة. إن تجسيد شخصية بهذا الحجم والعمق يمثل تحدياً هائلاً لأي عمل فني، يتطلب دقة تاريخية، عمقاً فنياً، وقدرة على استحضار روح العصر الذي عاشت فيه. الأفلام السير ذاتية عن شخصيات بحجم أم كلثوم غالباً ما تواجه تدقيقاً شديداً من الجمهور الذي يحمل ذكريات وتصورات راسخة عن هذه الأيقونات.
رحلة فنية وإنسانية في قلب العمل
يسعى فيلم «الست» إلى الغوص في الرحلة الفنية والإنسانية التي شكلت شخصية أم كلثوم وخلّدت إرثها. يقدم العمل رؤية معمقة للجوانب المختلفة من حياتها، من صعودها المتواضع في الريف المصري إلى قمة المجد والشهرة العالمية. تظهر منى زكي في الفيلم بأداء مغاير ومختلف، يضعها أمام تحدٍ فني كبير في تجسيد شخصية ذات حضور تاريخي وثقل جماهيري واسع، محاولةً نقل تعقيدات شخصيتها وتأثيرها العميق.
فريق عمل يضم نخبة من النجوم
يأتي فيلم «الست» من توقيع المخرج المبدع مروان حامد، وسيناريو الكاتب المتميز أحمد مراد، وهما اسمان لهما ثقلهما في صناعة السينما المصرية. ويضم الفيلم كوكبة من النجوم البارزين إلى جانب منى زكي، منهم: محمد فراج، وأحمد خالد صالح، وتامر نبيل، وسيد رجب. كما يشارك عدد من الفنانين كضيوف شرف، مما أضاف للعمل بعداً فنياً وجماهيرياً، أبرزهم: أحمد حلمي، وعمرو سعد، وكريم عبد العزيز، ونيللي كريم، وأمينة خليل.
تأثير تراجع الإيرادات على صناعة السينما
إن التراجع الحاد في إيرادات فيلم بحجم «الست» لا يمثل مجرد خسارة لعمل فني واحد، بل يثير مخاوف أوسع حول مستقبل الأفلام الضخمة والميزانيات الكبيرة في السينما المصرية والعربية. فصناعة السينما تعتمد بشكل كبير على نجاح الأفلام في شباك التذاكر لضمان استمرارية الإنتاج وتمويل المشاريع المستقبلية. هذا الوضع قد يدفع المنتجين والمستثمرين إلى إعادة التفكير في جدوى إنتاج أفلام سير ذاتية مكلفة عن شخصيات تاريخية، خاصة في ظل المنافسة الشديدة من منصات البث الرقمي وتغير عادات المشاهدة لدى الجمهور. كما أنه يسلط الضوء على أهمية التسويق الفعال وفهم نبض الجمهور لضمان نجاح الأعمال الفنية الكبرى.
الفيلم كمرآة للتفاعل الثقافي المعاصر
بعيداً عن الأرقام، يمكن النظر إلى أداء فيلم «الست» كمرآة تعكس كيفية تفاعل الجمهور المعاصر مع التراث الثقافي الغني. هل ما زال الجمهور ينجذب إلى القصص التاريخية في السينما بنفس القدر؟ أم أن هناك حاجة لأساليب سرد جديدة ومبتكرة لتقديم هذه الشخصيات الأيقونية بطريقة تتناسب مع ذوق الجيل الحالي؟ إن التحدي يكمن في إيجاد التوازن بين الحفاظ على الأصالة التاريخية وتقديم عمل فني جذاب ومؤثر يلامس قلوب وعقول المشاهدين في عصرنا هذا، ويضمن استمرارية حضور هذه الأيقونات في الوعي الجمعي.


