spot_img

ذات صلة

السواحة: رؤية لمستقبل رقمي شامل عبر الثقة والتقنية والمواهب

صورة المهندس عبدالله السواحة

في خطوة تعكس التزام المملكة العربية السعودية بقيادة التحول الرقمي العالمي، أكد معالي وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبدالله بن عامر السواحة، خلال كلمته البارزة في اجتماع الجمعية العمومية لمنظمة التعاون الرقمي، على الرؤية الطموحة لبناء مستقبل رقمي شامل ومستدام. شدد معاليه على أن هذا المستقبل يجب أن يرتكز على ثلاثة محاور أساسية لا غنى عنها: تعزيز الثقة في البيئة الرقمية، تمكين المواهب الرقمية وتنميتها، وتسخير التقنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، لتحقيق أقصى استفادة للبشرية والاقتصاد العالمي.

تُعد منظمة التعاون الرقمي (DCO) كيانًا دوليًا حيويًا تأسس في عام 2020، في خضم تسارع غير مسبوق في وتيرة التحول الرقمي عالميًا، بهدف تسريع نمو الاقتصاد الرقمي الشامل. جاء تأسيس المنظمة استجابة للحاجة الملحة لجهود جماعية ومنسقة لضمان أن تكون هذه الثورة الرقمية شاملة ومفيدة لكافة شرائح المجتمع الدولي، وأن لا تتسبب في اتساع الفجوة الرقمية. تضم المنظمة حاليًا 13 دولة عضوًا من مختلف القارات، وتعمل جاهدة على تعزيز التعاون الفعال بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، مع التركيز على سد الفجوة الرقمية وتمكين الازدهار الرقمي للجميع، خاصة في الدول النامية التي تحتاج إلى دعم أكبر للاندماج في الاقتصاد الرقمي.

وأوضح المهندس السواحة أن بناء الثقة في الفضاء الرقمي هو حجر الزاوية لأي تقدم مستقبلي. فمع تزايد الاعتماد على المنصات والخدمات الرقمية، يصبح ضمان أمن البيانات وخصوصية المستخدمين ومكافحة التهديدات السيبرانية أمرًا بالغ الأهمية. هذه الثقة هي التي تشجع الأفراد والشركات على تبني التقنيات الجديدة والاستفادة منها بشكل كامل. كما أكد على أن تمكين المواهب الرقمية وتنميتها يمثل استثمارًا في رأس المال البشري الذي يدفع عجلة الابتكار والنمو. فبدون الكفاءات والمهارات اللازمة، لن تتمكن المجتمعات من استغلال الإمكانات الكاملة للتقنيات الحديثة. أما تسخير التقنيات المتقدمة، وخاصة الذكاء الاصطناعي، فيجب أن يتم بطرق مسؤولة وأخلاقية لضمان أن تكون هذه الأدوات قوة للخير، تساهم في حل التحديات العالمية وتحسين جودة الحياة.

وأشاد المهندس السواحة بالدور الريادي والمحوري الذي اضطلعت به دولة الكويت خلال فترة رئاستها للمنظمة. فقد كانت هذه الفترة شاهدة على تحقيق مبادرات نوعية وملموسة، شملت جهودًا مكثفة لمكافحة التضليل المعلوماتي الذي يهدد استقرار المجتمعات الرقمية والديمقراطيات، وتعزيز تدفقات البيانات الموثوقة التي تُعد شريان الحياة للاقتصاد الرقمي الحديث والابتكار. كما كان إطلاق إطار الذكاء الاصطناعي المسؤول خطوة استراتيجية تعكس التزام المنظمة بضمان استخدام التقنيات المتقدمة بطرق أخلاقية ومستدامة، مما يعزز الثقة في الفضاء الرقمي العالمي ويحميه من التحديات المحتملة مثل التحيز أو انتهاك الخصوصية.

لا يمكن إغفال الأثر المتنامي لمنظمة التعاون الرقمي على الساحة العالمية. فالدول الأعضاء في المنظمة تمثل مجتمعةً نحو 10% من سكان العالم، وتساهم بما يقارب 3.6 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي مؤشرات قوية تعكس القدرة الهائلة للمنظمة على دفع عجلة النمو الرقمي وتحقيق معدلات تفوق المتوسط العالمي، مما يؤكد أهميتها كقوة دافعة للتحول الرقمي الشامل والمستدام. كما أن المنظمة تلعب دوراً حيوياً في صياغة السياسات الرقمية العالمية، وتوحيد الجهود لإنشاء بيئة رقمية أكثر عدلاً وشمولية للجميع.

وفي صميم رؤية المنظمة يكمن التركيز الاستراتيجي على تنمية المواهب الرقمية. فالدول الأعضاء في المنظمة تضم أكثر من مليوني متخصص تقني، وهو ما يمثل ثروة بشرية هائلة لا تقدر بثمن. إن الاستثمار في هذه المواهب وتطوير قدراتها هو مفتاح الابتكار والريادة في العصر الرقمي المتسارع. وقد أسهم هذا التركيز خلال السنوات الماضية في نشوء 16 شركة مليارية (يونيكورن) ونماذج ريادية ناجحة، مما يدل على البيئة الخصبة للابتكار التي توفرها المنظمة لدعم رواد الأعمال والمبتكرين في مختلف القطاعات الرقمية، وخلق فرص عمل جديدة ومستقبلية.

وعلى الصعيد الوطني، قدمت المملكة العربية السعودية نموذجًا يحتذى به في تحقيق منجزات نوعية ضمن مسيرتها نحو الاقتصاد الرقمي المزدهر، مدفوعةً برؤية 2030 الطموحة. فإلى جانب الإنجازات البارزة مثل فوز أول باحث من المنطقة بجائزة نوبل عبر حلول ذكاء اصطناعي في الكيمياء، ومشاركة أول امرأة عربية مسلمة في محطة الفضاء الدولية ضمن أبحاث طبية متقدمة، تعمل المملكة على بناء بنية تحتية رقمية متطورة واستقطاب الاستثمارات الضخمة في قطاع التقنية. هذه الجهود تعزز مكانتها كمركز إقليمي رائد للابتكار الرقمي، وتؤكد التزامها بالمساهمة في تقدم البشرية جمعاء من خلال التقنيات الحديثة، وتوفير بيئة جاذبة للمواهب والاستثمارات العالمية في القطاع الرقمي.

واختتم معالي وزير الاتصالات وتقنية المعلومات كلمته بالتأكيد على أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة حتمية لدعم الاقتصاد الرقمي في العصر الذكي. فالبنية التحتية القوية والموثوقة هي الأساس الذي تبنى عليه كافة الابتكارات والخدمات الرقمية، وهي التي تضمن وصول الجميع إلى الفرص التي يتيحها العالم الرقمي، من التعليم عن بعد إلى الرعاية الصحية الرقمية والتجارة الإلكترونية. كما أن تعزيز الشراكات الدولية يعد ركيزة أساسية لتحقيق نمو رقمي مستدام وشامل، حيث لا يمكن لأي دولة أن تحقق الازدهار الرقمي بمعزل عن التعاون العالمي وتبادل الخبرات والمعارف. هذه الشراكات تفتح آفاقًا جديدة للابتكار وتساهم في بناء مستقبل رقمي يخدم الإنسان والاقتصاد العالمي على حد سواء، ويضمن أن تكون الثورة الرقمية قوة للخير والتقدم للجميع، لا مصدرًا للانقسام أو الإقصاء.

spot_imgspot_img