في قلب العمارة التقليدية لمنطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، تبرز “الطِّيرمة” كعنصر فريد يحمل في طياته عبق التاريخ ودفء الحياة الاجتماعية القديمة. ورغم أن هذا المصطلح بدأ يتلاشى من ذاكرة الأجيال الجديدة، على غرار العديد من المفردات التي كانت جزءاً لا يتجزأ من اللهجة الحجازية، إلا أنه يظل شاهداً على إبداع معماري أصيل تكيف مع البيئة واحتضن ثقافة سكانه.
ما هي الطيرمة وما سر تميزها؟
الطيرمة، كما يصفها أهل الحجاز، هي تلك الغرفة الصغيرة المسقوفة التي تعتلي بيت الدرج، وتُبنى عادة في الدور العلوي أو على سطح المنزل مباشرة. لم تكن مجرد مساحة إضافية، بل كانت جزءاً حيوياً متعدد الاستخدامات. ففي الشتاء، كانت مخزناً آمناً للحطب والفحم ومؤونة البيت السنوية. وفي الصيف، كانت ملاذاً بارداً للنوم بفضل ارتفاعها الذي يسمح بمرور النسمات العليلة، كما استُخدمت لتجفيف التمور وحفظ فراش النوم من رطوبة الليل وحرارة الشمس فيما يُعرف بعملية “التشميس”.
سياق تاريخي ومعماري
لفهم أهمية الطيرمة، يجب النظر إليها ضمن السياق الأوسع للبيت الحجازي التقليدي. تميزت هذه المنازل بتصميمها الذي يراعي الخصوصية ويتكيف مع المناخ الحار. كانت البيوت تُبنى متلاصقة لتوفير الظل، مع فناء داخلي (حوش) يعمل على تلطيف الأجواء، ونوافذ خشبية مزخرفة تُعرف بـ”الرواشين” تسمح بدخول الضوء والهواء مع الحفاظ على خصوصية أهل الدار. في هذا النظام المتكامل، جاءت الطيرمة كحل ذكي لاستغلال المساحات العلوية، موفرة إطلالة فريدة ومكاناً مثالياً للتهوية، لتصبح بمثابة الرئة التي يتنفس بها المنزل.
الأهمية الثقافية واللغوية
لم تكن الطيرمة مجرد عنصر معماري، بل كانت “مركازاً” للمقربين ومساحة شبه خاصة تجمع أفراد الأسرة بعيداً عن صخب المجلس الرسمي المخصص للضيوف. كانت مكاناً للتسامر والاسترخاء، مما يمنحها بعداً اجتماعياً عميقاً. ومن الناحية اللغوية، يذكر ابن منظور في “لسان العرب” أن أصل كلمة “طَارمة” أعجمي معرّب، ويرجح أنها من الفارسية “طير نامة”، والتي قد تشير إلى الكوة أو النافذة العلوية التي يدخل منها الضوء، وهو ما يتناسب مع موقعها المرتفع في المنزل.
بين الاندثار ومحاولات الإحياء
مع التطور العمراني الحديث ودخول أنماط البناء الأسمنتية وتكييف الهواء، تراجعت الحاجة الوظيفية للطيرمة وغيرها من عناصر العمارة التقليدية. وبمرور العقود، بدأت هذه المعالم تختفي من المشهد الحضري، وباتت رؤيتها تقتصر على الأحياء التاريخية القليلة المتبقية. لكن في ظل الاهتمام المتزايد بالحفاظ على التراث الوطني، كجزء من رؤية المملكة 2030، هناك وعي متنامٍ بأهمية دراسة هذه العناصر المعمارية وإعادة إحيائها، ليس فقط كقيمة تاريخية، بل كمصدر إلهام لتصاميم معمارية مستدامة تجمع بين الأصالة والحداثة، وتحفظ للأجيال القادمة جزءاً ثميناً من هويتهم الثقافية.


