spot_img

ذات صلة

حلب تستعيد الهدوء بعد انسحاب قسد: استقرار جديد للمدينة

بعد أيام من التوتر والاشتباكات، أعلنت السلطات السورية في حلب عودة الهدوء والاستقرار تدريجياً إلى المدينة، وذلك عقب الانسحاب الكامل لمقاتلي قوات سورية الديمقراطية (قسد) من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية. هذا التطور يمثل نقطة تحول مهمة في جهود تثبيت الأمن في هذه الأحياء التي شهدت مواجهات عنيفة.

وفي تأكيد على هذا التحول، صرح محافظ حلب، عزام الغريب، عبر حسابه الرسمي على منصة إكس، بأن الأوضاع الأمنية تشهد تحسناً ملحوظاً، معلناً أن “صفحة القلق طويت وعادت حلب اليوم آمنة بأهلها قوية بوحدتهم ومحصّنة بإرادتهم”. ودعا الغريب جميع الجهات المعنية إلى مواصلة العمل الميداني لضمان عودة الحياة الطبيعية بشكل كامل في كافة أحياء المدينة، مؤكداً أن حلب اليوم آمنة وغدها أكثر استقراراً. وقد أفاد شهود عيان باستمرار القوات السورية في تأمين حي الشيخ مقصود، مما يعزز الثقة بعودة الأمن.

جاء انسحاب قوات سورية الديمقراطية، الذي أُعلن عنه الليلة الماضية، بعد أيام من اشتباكات دامية مع القوات الحكومية. وأوضحت قسد في بيان لها أنها توصلت إلى تفاهم يقضي بوقف إطلاق النار وتأمين إخراج مقاتليها من الحيين إلى مناطق شمال وشرق سورية. وأشارت إلى أن هذا الانسحاب تم بوساطة أطراف دولية، مما يؤكد على تعقيد المشهد السوري والحاجة إلى تدخلات دبلوماسية لتهدئة الأوضاع.

وكانت الاشتباكات قد اندلعت الثلاثاء الماضي في حيي الشيخ مقصود والأشرفية ذات الغالبية الكردية، وأسفرت عن سقوط ما لا يقل عن 21 مدنياً، بالإضافة إلى نزوح نحو 155 ألف شخص من الحيين، وفقاً لأرقام صادرة عن الطرفين ومحافظ حلب. هذه الأرقام تسلط الضوء على الكلفة البشرية الباهظة للنزاعات المسلحة وتأثيرها المدمر على السكان المدنيين.

تاريخياً، تُعد حلب واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم ومركزاً اقتصادياً وثقافياً حيوياً في سورية. خلال سنوات الصراع السوري، تحولت المدينة إلى ساحة معركة رئيسية، حيث انقسمت بين سيطرة الحكومة والمعارضة لسنوات قبل أن تستعيد القوات الحكومية السيطرة الكاملة عليها في أواخر عام 2016. ومع ذلك، بقيت بعض الجيوب، مثل حيي الشيخ مقصود والأشرفية، تحت إدارة شبه ذاتية لقوات كردية، مما خلق وضعاً معقداً داخل مدينة تسيطر عليها الحكومة اسمياً. هذه الديناميكية تعكس التحديات الأوسع في سورية، حيث تتداخل خطوط السيطرة والنفوذ بين مختلف القوى المحلية والإقليمية والدولية.

وتأتي هذه الاشتباكات على خلفية تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سورية الديمقراطية منذ توقيع اتفاق 10 مارس من العام الماضي. كان هذا الاتفاق يهدف إلى دمج مؤسسات قسد وقواتها في إطار الدولة السورية والجيش، في محاولة لإنهاء حالة الانقسام وتحقيق وحدة الأراضي السورية. إلا أن الخلافات حول طبيعة هذا الاندماج ومستقبل الإدارة الذاتية للمناطق الكردية ظلت عائقاً رئيسياً، مما أدى إلى تجدد التوترات بشكل دوري.

إن عودة الهدوء إلى حلب، وخاصة في الأحياء التي عانت طويلاً من التوتر، تحمل أهمية كبيرة على الصعيد المحلي. فهي تتيح الفرصة لعودة النازحين إلى ديارهم، وتسهل جهود إعادة الإعمار والخدمات الأساسية، وتساهم في استعادة النسيج الاجتماعي للمدينة. كما أنها تبعث برسالة طمأنة للسكان بأن الأمن والاستقرار يمكن أن يسودا، مما يعزز الثقة في قدرة السلطات على إدارة الأزمات.

على الصعيد الإقليمي والدولي، يمكن أن يُنظر إلى هذا التطور كخطوة إيجابية نحو تخفيف حدة التوترات في منطقة لا تزال تشهد صراعات معقدة. فنجاح الوساطات الدولية في تحقيق وقف إطلاق النار والانسحاب يبرز أهمية الدبلوماسية في حل النزاعات السورية. ومع ذلك، فإن التحديات الكبرى لا تزال قائمة، بما في ذلك مستقبل المناطق التي تسيطر عليها قسد في شمال وشرق سورية، ودور القوى الإقليمية والدولية المتدخلة. هذا الحدث يذكرنا بأن الطريق إلى سلام دائم في سورية لا يزال طويلاً ويتطلب جهوداً مستمرة من جميع الأطراف المعنية.

spot_imgspot_img