
من هو علي الرابغي؟
يُعد الراحل علي بن محمد الرابغي قامة إعلامية وأدبية سعودية بارزة، ونموذجاً فريداً للتحضر والرقي في التعامل. لقد استطاع الرابغي أن يطبع اسمه بحروف من ذهب في ذاكرة الصحفيين والرياضيين والمثقفين على حد سواء. تميزت مسيرته بتجربة أصيلة جمعت بين الكلمة الطيبة، والإحساس الراقي، والإنتاج الغزير في مجالات الأدب والفن والرياضة، سواء عبر مقالاته الرصينة أو برامجه الإذاعية والتلفزيونية التي لامست وجدان الجماهير.
النشأة والتعليم في حياة علي الرابغي
ولد علي الرابغي في حارة أمير بمحافظة رابغ عام 1939م (1358هـ)، وبدأ رحلته التعليمية الأولى في مسقط رأسه. لاحقاً، انتقل مع أسرته إلى مدينة جدة نظراً لظروف عمل والده في الثكنة العسكرية (القشلة). وهناك، واصل تعليمه في مدرسة الوزيرية بحي الكندرة، ثم انتقل إلى المدرسة المنصورية في حي العلوي التاريخي، قبل أن يتوج مسيرته الأكاديمية بالالتحاق بجامعة الملك سعود، التي كانت تُعد منارة علمية حديثة التأسيس في المملكة، مما ساهم في صقل موهبته وتوسيع مداركه المعرفية.
شغف مبكر بالثقافة والأدب
منذ نعومة أظفاره، أظهر الرابغي شغفاً استثنائياً بالقراءة واقتناء الكتب. في تلك الحقبة التي كانت فيها مصادر المعرفة محدودة، كان يسافر خصيصاً إلى مكة المكرمة لزيارة مكتبة الثقافة. كان يترقب العروض الصيفية بشغف، حيث تُخصص المكتبة يوماً للثقافة يُباع فيه أي كتاب بريال واحد فقط. بفضل مدخراته البسيطة، تمكن من بناء حصيلة ثقافية واسعة عبر قراءة أعمال عمالقة الأدب العربي مثل يوسف السباعي، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، وأنيس منصور. هذا التأسيس الثقافي المبكر انعكس جلياً على أسلوبه الصحفي والأدبي لاحقاً.
دوره الريادي في الصحافة الرياضية السعودية
على الصعيد المهني، لعب علي الرابغي دوراً محورياً في تطوير الصحافة الرياضية السعودية خلال فترة الستينات الميلادية، وهي فترة تاريخية هامة شهدت تحولات جذرية مع صدور نظام المؤسسات الصحفية في المملكة. عمل مديراً للنشاط الرياضي بإدارة التعليم في جدة، ثم انتقل للإشراف على الصفحة الرياضية في جريدة البلاد. لم يتوقف طموحه هنا، بل ترأس القسم الرياضي في صحيفة عكاظ، وتولى لاحقاً الإشراف على القسم الرياضي في صحيفة الشرق الأوسط الدولية. كان الرابغي من أوائل من أدخلوا الأسلوب الأدبي الرصين إلى التغطيات الرياضية، مما رفع من مستوى الصحافة الرياضية وجعلها مقبولة لدى النخب الثقافية، تاركاً تأثيراً محلياً وإقليمياً ملموساً.
مسيرته الإذاعية والتلفزيونية
لم يقتصر إبداع الرابغي على الكلمة المكتوبة، بل امتد ليشمل الفضاء المسموع والمرئي. بدأ عمله كمراسل للإذاعة من رابغ، ثم عُين مساعد مذيع. قدم خلال مسيرته ستة برامج متنوعة بين الإذاعة والتلفزيون السعودي. في تلك الحقبة الذهبية للإذاعة، ارتبط صوته الدافئ بوجدان المستمعين، وأصبح جزءاً من الذاكرة السمعية للمجتمع السعودي. لقد ساهمت برامجه في نشر الوعي الثقافي والرياضي، وعززت من تواصل الإعلام الرسمي مع المواطنين في مختلف المناطق.
إرث باقٍ في الذاكرة
رحل علي الرابغي عن عالمنا في أكتوبر الماضي، تاركاً خلفه إرثاً إعلامياً وأدبياً غنياً. إن استعادة سيرة هذا الرائد لا تقتصر على الوفاء لذكراه فحسب، بل تمثل توثيقاً لمرحلة هامة من تاريخ الإعلام السعودي. لقد كسب الرابغي بأمانته ونزاهته ثقة المسؤولين، ومحبة البسطاء، وصداقة النخب، ليبقى اسمه محفوراً كأحد رواد الكلمة الصادقة والمهنية العالية في المملكة العربية السعودية والوطن العربي.


