يُعد الشاعر والكاتب المسرحي البحريني الكبير علي الشرقاوي قامة أدبية باسقة، أثرى المشهد الثقافي في البحرين والخليج العربي على مدى عقود. في مقال نُشر بصحيفة «الأيام» البحرينية بتاريخ 20 يونيو 2023، أشار يوسف الحمدان إلى الفارق الجوهري بين القصيدة الدرامية والقصيدة الغنائية، موضحًا أن الدراما تمثل نمطًا من التفكير يختلف عن ذلك الذي يكتنف القصيدة الغنائية. فبينما يسعى الشاعر الغنائي لإطلاق صوته لأبعد مدى، يجد الشاعر الدرامي نفسه محكومًا بأصوات أخرى تدعوه للدخول في حلبة الصراع. وقد يعود سر تعلق القارئ بالقصيدة الغنائية واستمراريتها عبر العصور إلى ما يجد فيها المتلقي من طرب ونشوة وراحة، أو انفعال وحماس. أما في القصيدة الدرامية، فقد يقع المتلقي في التناقض والحيرة، ليجد نفسه أمام صراع رهيب متعب ومرهق للتفكير.
يؤكد الحمدان أن كتابة الشعر في المسرح أو الدراما هي كتابة للفعل والحدث، وهي بلا شك كتابة صعبة تختلف عن الكتابة الذاتية كما في الأغنية. بعبارة أخرى، يتطلب الإبداع في الأغنية الدرامية استراتيجيات معينة ومهارات وخبرات حياتية متراكمة، قد لا تتوفر إلا لمن عانى وقاسى وجرّب واكتوى وشاهد وعاصر وعارك الحياة بحلوها ومرها. وهذا ما يتجسد بوضوح في مسيرة علي الشرقاوي، الذي يُعتبر نموذجًا وطنيًا متكئًا على الأحاسيس والمشاعر الإنسانية، وصوتًا بحرينيًا نقيًا كصفاء موطنه البسطاء. إنه علم من أعلام الأغنية الدرامية والكتابة المسرحية في البحرين والخليج العربي، وصاحب تجربة طويلة في كتابة النصوص المسرحية والشعرية، ومخزن للإبداع الحقيقي الفريد المستمد من موروث مجتمعه ومفردات وطنه وعبق تاريخ بلاده وأصالة عادات وتقاليد ناسه.
ولعل خير شاهد ودليل على صحة ما نقول هو الأغاني الدرامية الجميلة وكلمات «التترات» المعبرة التي زخرف بها الشرقاوي العديد من المسلسلات الدرامية البحرينية والخليجية، والنصوص المسرحية المتماسكة التي قدمت على مسارح البحرين، ولا سيما مسرح أوال. وقد اكتمل جمالها وسحرها وروعتها بمساهمات غنائية من الفنان خالد الشيخ، وإخراجية من المخرج الكبير أحمد يعقوب المقلة، وكتابية من المبدع راشد الجودر، وموسيقية من المايسترو مبارك النجم، وتعبيرية راقصة من الفنان محمد جاسم بن حربان.
نشأة وتكوين شاعر: رحلة من البساطة إلى الإبداع
وُلد علي أحمد جاسم الشرقاوي في فريج الفاضل من رحم المعاناة والفقر بـ«سديمية المعالم» عام 1948. نشأ في بيت والده البسيط، لكنه بفضل الإصرار والإرادة أكمل تعليمه النظامي بمدارس البحرين، وحصل على شهادة الثانوية العامة عام 1967. ثم سافر إلى العراق حيث واصل تعليمه حتى حصل على دبلوم «معهد المختبر البشري» ببغداد عام 1971. وفي عام 1981، حصل على دورة تدريبية في بريطانيا ليصبح مؤهلاً لممارسة مهنة فني مختبر. في أحد المختبرات الطبية، التقى بفتاة من وطنه هي الشاعرة «فتحية عجلان»، فجمع الحب وعشق الشعر بين قلبيهما، وتواصلا عبر الرسائل الورقية في زمن لم يكن الهاتف متاحًا، متحديين بذلك كل العقبات وتضاريس التقاليد والعادات الاجتماعية الصارمة. ثم تحديا معًا الرفض المتكرر من عائلتها لارتباطهما وأجبراها على القبول، لتنتهي الحكاية بزواجهما وإنجاب بناتهما الثلاث (فيّ ووفِيض وفوز).
لا نبالغ لو قلنا إن الشرقاوي وُلد وفي فمه ملعقة الشعر. فقد كتب نبذة عن حياته ومسيرته قال فيها إنه تولع بالشعر والأدب منذ أن كان في المرحلة الابتدائية، حيث كتب في تلك السن المبكرة كل ما كان يخطر على باله كطفل. ثم كتب في مرحلة مراهقته قصائد غير موزونة، وغنى بعضها مع رفاق طفولته وشيطنته وحركته الدائمة في «حوطة بوحميد» بفريج الفاضل. لم يتقن الأوزان الشعرية على يد معلم اللغة العربية الأردني عبدالحميد المحادين، وانصرف عنها.
انطلقت موهبته الشعرية والكتابية ابتداءً من شغفه المبكر بالقراءة. فقد كان يقرأ كل شيء يقع تحت يديه، بل كان – حسب اعترافه – يقفز أسوار بيوت الجيران ليسرق منها المجلات والصحف والكتب ليقرأ ما فيها خفية فوق سطح منزله، قبل إعادتها إلى أصحابها وسرقة غيرها. ثم ليجتمع في ليالي رمضان تحت إحدى أعمدة الكهرباء مع أقرانه الصغار ويحكي لهم القصص والحكايات التي قرأها، ويتبارى معهم في صناعة الجمل والعبارات، ويقود رفاقه إلى الغناء والرقص في منتصف رمضان للحصول على الحلوى والإكراميات من بيوت الموسرين.
وهكذا، ومن خلال ما كان يسرقه ويقرأه، تعرف الشرقاوي على القصائد الفصحى والعامية وأعلام الشعر والأدب في الخليج والعالم العربي مثل عمر بن أبي ربيعة المخزومي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم والمنفلوطي والعقاد وطه حسين وإيليا أبو ماضي، ولاحقًا أعلام الشعر الغربي مثل لوركا ورامبو وبودلير. يقول الشرقاوي عن تلك الحقبة من حياته، إنه كان يلتهم كل شيء ويكتب كل شيء، ويحاول أن ينشر في الصحافة المحلية، لكن مقالاته رُفضت مرارًا وتكرارًا. فأيقن أن عليه أن يصقل موهبته بالمزيد من القراءة والاستيعاب في مجالات الرواية والقصة والشعر والمسرح وعلم الاجتماع، علاوة على الاختلاط بمجايليه من الشعراء الشباب للاستفادة من تجاربهم، ففعل بإصرار وأناة إلى أن تحققت له مراده، وراحت أعماله تُنشر في عدد من المجلات كصوت الطلبة والمسيرة والخليج العربي والأضواء وصدى الأسبوع والبحرين اليوم. وكانت أول قصيدة موزونة كتبها (بعد أن تعلم الأوزان والعروض أثناء دراسته في بغداد) هي قصيدة «عاشق الفجر» التي نشرتها له مجلة «هنا البحرين» في باب رسائل القراء.
الشرقاوي والسجن: تحول في الرؤى
في شبابه المبكر، انحاز الشرقاوي إلى الأفكار الأيديولوجية اليسارية الشائعة في مجتمعه آنذاك، وعشق شعاراتها المدغدغة للأحلام مثل المساواة والعدالة والاشتراكية والسلام والحرية. وراح يبرزها في كتاباته الأولى ويدافع عنها في قصائد ملتزمة معبرة عن موقف سياسي حاد ناقد للنظام السياسي ومنحاز للطبقة العاملة واليسار العالمي الحالم بالمجتمع الاشتراكي، ما أوقعه في المحظور، فكان نصيبه المعتقل الذي أمضى به أربع سنوات من عمره (من أغسطس 1975 إلى أغسطس 1979)، علاوة على زيارات قصيرة متكررة للمعتقل ما بين عامي 1971 و1974.
تلك السنوات الأربع الكئيبة من حياته، كانت كفيلة بزلزلة أفكاره ورؤاه وتصويباتها، فحينما خرج من المعتقل كان شخصًا آخر يدرك أن الكون أفسح كثيرًا مما آمن به من أفكار يسارية. وفي هذا السياق، كتب: «جلست طويلًا في السجن مع تجربتي الشعرية، ورأيت أن ما أكتبه ليس سوى شعارات وطنية في قالب منظوم، يسمى قصيدة التفعيلة. من هنا انفتحت أكثر على التيارات الشعرية المغايرة للمألوف والعادي والمكرر في العالم، تعايشت مع تجربة لوركا وزاملت رامبو ونادمت بودلير، ودخلت تصوير الجملة الشعرية عند أدونيس، ولعبت مع حيوانات سليم بركات». وبعبارة أخرى، كان للمعتقل تأثير واضح على الشرقاوي لجهة الابتعاد عن القصائد ذات الروح التقريرية المحرضة والمصطبغة بالتعصب السياسي الحاد.
والحقيقة، أن التغيير الذي طرأ على صاحبنا – وكما قال بنفسه – كان «نتيجة البحث في كثير من القضايا، منها على سبيل المثال أنني كنت أعتقد بأن لكل إنسان موهبة قد يكتشفها وقد لا يكتشفها، وبعد أكثر من 20 سنة عرفت أن هناك ما يُعرف بـ(الذكاءات المتعددة)، بمعنى أن كل إنسان يمتلك موهبة، فلا يوجد شخص أفضل من آخر، أو لغة أفضل من أخرى. من هذه الرؤية، بالإضافة إلى علاقاتي الأدبية بالشعر الصوفي، وجدت أن الصراعات الطبقية ليست محور التطور في العالم، إنما بحث الإنسان عن معنى ووجوده، والرسالة السامية التي يحملها، أي رسالة الأخوة الإنسانية، وهي التي تسهم في تطور العالم والمجتمع والإنسان».
ويعترف الشرقاوي بأن تجربته الشعرية مرت بمرحلة جنينية وثلاث محطات أساسية وتجربة رابعة ما زال يعيش فيها. فقد خرج من إطار قصيدة الموضوع إلى قصيدة الرؤيا، فكانت قصيدته «رؤيا الفتوح»، وهي قصيدة طويلة مغايرة لما كان يطرحه في تجاربه السابقة. ثم جاءت تجربة «تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة» (أدمج فيها تجربته الحياتية بتجربة ومعاناة الفنان الشعبي البحريني ضاحي بن وليد)، فـ«ذاكرة المواقف» (عن تاريخ الحركة الوطنية البحرينية)، و«واعرابها» (طرح فيها موقفه من الغزو العراقي للكويت). بعدها قرر الانتقال إلى أقاليم شعرية غير مطروقة وخلق عالمه الخاص عبر ابتكار شخصية متخيلة جسدها في «مخطوطات غيث بن البراعة»، ثم تجربة «كتاب الشين» التي حاول فيها الابتعاد عن كتابة الشعر، وصولًا إلى تجربته الجديدة التي حاول من خلالها التواصل مع المطلق واعتبار الإنسان قطرة في محيط الأنوار الكونية والرغبة الكلية للانسجام مع ما هو موجود في الكون.
ريادة أدبية ومسرحية
انضم في مطلع السبعينات من القرن العشرين إلى «أسرة الأدباء والكتاب» في البحرين، فشارك في مختلف أنشطتها الأدبية والثقافية والفكرية، بل وترأس هيئة إدارتها لعدة دورات منذ العام 1980. وانضم أيضًا إلى «مسرح أوال» كعضو من أجل إشباع شغفه بالأعمال والكتابة المسرحية. وبصفته شاعرًا وأديبًا بحرينيًا، شارك في العديد من الفعاليات الأدبية والمهرجانات الشعرية العربية مثل «المربد» و«جرش» و«الجنادرية» ومهرجان القاهرة الدولي للكتاب ومؤتمرات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.
وهكذا نرى أن الشرقاوي، الذي بدأ في نشر نتاجه الشعري في عام 1968 من خلال الصحف والمجلات المحلية والعربية، يغدو واحدًا من أشهر من أنجبتهم البحرين من الشعراء المهيمنين والمجددين في الشعر المحلي والفصيح والشعبي والموال وفي مجال المسرح الشعري والدراما الغنائية في المسلسلات التلفزيونية البحرينية مثل «ملفى الأجاويد» و«فرجان لول» و«حزاوي الدار» و«سعدون» وغيرها. بل وأيضًا في مجال أدب الأطفال، حيث كتب للأطفال عدة مسرحيات مثل «الفخ» و«بطوط» و«الأرانب الطيبة» و«ثلاثية عذاري» و«مفتاح الخير»، وأصدر مجموعات شعرية للأطفال منها: «أغاني العصافير» و«شجرة الأطفال» و«قصائد الربيع» و«الأرجوحة» و«الأصابع» و«أغاني الحكمة» و«العائلة».
مسيرة شاعر عابر للحدود
لقد كبر فتى فريج الفاضل الفقير المشاغب والمولع بالسياسة والبحر، وأبدع بغزارة، حتى صار كزهرة دوار الشمس يتجه إلى حيث الضوء بتعبير أحدهم. وأصبح يُحتفى به في كل المحافل ومن على كل المنابر كشاعر ومثقف عربي عركته التجارب وصارعته الأحداث واستقى مهاراته من منابع فنية مختلفة بحكم تنقله ومعيشته في دبي والسعودية والعراق وبريطانيا. وصارت قصائده تترجم إلى الإنجليزية والألمانية والبلغارية والروسية والفرنسية والكردية والهندية.
على أن الشرقاوي، رغم كل هذا الألق، لا يزال ذلك الإنسان البسيط في ملبسه ومأكله وحياته وعلاقاته مع الآخر. وبعبارة الإعلامية والنائبة البحرينية زينب عبدالامير: هو «أنيق كيفما لبس، وسيم مهما فعل، رياضي شايب يرتدي حذاء أديداس وتي شيرت البرازيل».
ونختتم بالإشارة إلى أنه كتب كلمات أجمل ما غنى الفنان البحريني خالد الشيخ، وكذلك كلمات أغانٍ جميلة لإبراهيم حبيب وعبدالكريم عبدالقادر وعبدالله الرويشد ومصطفى أحمد وعلي عبدالستار وحسين الجسمي وسميرة سعيد وغيرهم. كما كتب تترات مسلسلات كثيرة مثل: «ملفى الأجاويد»، «إذا طاح الجمل»، «سعدون»، «حزاوي الدار»، «برايحنا»، «مفتاح قفل»، «قديمك نديمك»، «بطران عايش يومه»، «طماشة»، «أهل الدار»، «هوى البحرين»، «المقاريد»، «دار الزين»، «أم هلال في القاهرة»، «سوالف أم هلال»، «عويشة»، «سرور»، «أولاد بوجاسم»، «البيت العود»، «أغاني بومتعب»، «أغاني المرتاحين»، «فرجان لول» وغيرها.


