لم تكن المقالة الأخيرة للروائي العراقي علي بدر، المعنونة بـ«المثقفون العرب ودول الخليج: حين انتقل المال ولم ينتقل التاريخ»، مجرد قراءة قاصرة للمشهد الثقافي الراهن، بل جاءت سقطة معرفية مدوية تكشف عن وقاحة مفاهيمية فجة. إنها الوقاحة التي تجرد الثقافة والأدب من أسمى وظائفهما: تهذيب الخطاب، والتحرر من النرجسية الشوفينية، والانعتاق من أسر الأيديولوجيات البائدة. لقد كشفت المقالة عن عقلية استعلائية، طبقية وعنصرية، لا تقرأ الواقع إلا بعيون الماضي المأزوم، متدثرة بعباءة «نخبوية» زائفة لم يزدها الأدب إلا صلفاً وتنكرًا للحقائق.
مراكز الثقافة العربية: تحولات الجغرافيا وسؤال الشرعية
على مدى عقود طويلة من القرن العشرين، شكلت مدن مثل القاهرة وبغداد وبيروت ودمشق المراكز الثقلية للحياة الثقافية العربية. كانت هذه العواصم منارات للإبداع الأدبي والفكري، ومنابر للنقاشات الكبرى التي صاغت وعي أجيال. لكن التحولات السياسية والاجتماعية العاصفة التي مرت بها هذه المناطق، من حروب وصراعات داخلية وأزمات اقتصادية، أدت إلى تآكل دورها الريادي تدريجياً. في المقابل، شهدت منطقة الخليج العربي، التي كانت تُعتبر تاريخياً على هامش هذا المركز، نهضة شاملة لم تقتصر على الاقتصاد والعمران، بل امتدت لتشمل بناء بنية تحتية ثقافية طموحة من متاحف وجامعات وجوائز أدبية ومعارض كتب دولية وحركة ترجمة نشطة.
هذا التحول الجغرافي في مركز الثقل الثقافي هو السياق الذي يفسر ظهور خطابات مثل خطاب علي بدر. إنه يعبر عن قلق النخب التقليدية التي ترى امتيازاتها التاريخية مهددة، فتلجأ إلى العنف الرمزي كآلية دفاعية. فبدلاً من قراءة المشهد الجديد بموضوعية، يتم اختزاله في ثنائية سطحية: «أصالة التاريخ» مقابل «سطوة المال»، وهو ما يتجاهل عن عمد حقيقة أن الثقافة بطبيعتها ديناميكية ومتحولة، وأن شرعيتها تُكتسب بالإنجاز الفعلي لا بالرطانة على أطلال الماضي.
علي بدر وعقدة المركز المتهاوي
إن الإصرار على اختزال الخليج في جغرافيا «المنصة والمال»، ونفي قدرته على إنتاج «التاريخ والمعنى»، لا يمكن تفسيره أدواتياً إلا عبر تفكيك البنية النفسية والاجتماعية التي يصدر عنها هذا الخطاب. في علم الاجتماع النقدي، يفكك بيير بورديو في كتابه المرجعي «التمييز» كيف تحاول النخب الآفلة استخدام ما تسميه «الشرعية التاريخية» أو «الأصالة الثقافية» كنوع من العنف الرمزي لحماية امتيازاتها المهددة. يرى بورديو أن النخب عندما تفقد أدوات السيطرة الفعلية، تلجأ إلى صناعة تراتبية وهمية تقصي بها القادمين الجدد، معتبرةً أن إنتاجهم الثقافي مجرد «مُحاكاة» تفتقر للعمق.
هذا السلوك يتقاطع بنيوياً مع ما أسماه الفيلسوف ماكس شيلر بـ«الضغينة» أو «الإنقاص القيمي اللاواعي». حيث يرى شيلر أن العاجز عن مضاهاة تفوق الآخر أو مواكبة صعوده الحيوي، يلجأ لا شعورياً إلى «بخس قيمة» منجزات هذا الآخر وإرجاعها حصراً إلى عوامل مادية بحتة (كالمال)، كآلية دفاعية نفسية لحماية ذاته المتضخمة من الشعور بالدونية وفقدان المركزية. وفي مقالته، يمارس علي بدر هذا الإنقاص القيمي بكل حذافيره، فهو لا يجهل الأسماء الروائية والشعرية والنقدية الخليجية التي ملأت الساحة العربية إبداعاً وتميزاً، بل يتجاهلها عمداً، لأن الاعتراف بها يعني بالضرورة انهيار أطروحته الهشة.
ما وراء المال: هل للخليج معنى ثقافي أصيل؟
إن الادعاء بأن الخليج منطقة بلا تاريخ ثقافي هو جهل فاضح أو تجاهل متعمد. فمنذ فجر التاريخ، كانت الجزيرة العربية هي مهد اللغة ومصدر المعنى الأول للشعرية العربية، من المعلقات إلى يومنا هذا. واليوم، لا يمكن إنكار أن الفضاء الجغرافي الخليجي يقود المشهد في مجالات حيوية كحركة الترجمة التي يقودها مترجمون شباب من أبناء المنطقة، والذين لا ينكرون فضل من سبقهم، بل يبنون على منجزاتهم بعقلية ناضجة تؤمن بأن إنتاج المعنى هو فعل تراكمي مستمر. إن شعلة الحضارة تتنقل عبر الجغرافيا، تعلو يوماً هنا وتخفت يوماً هناك، دون أن يعني خفوتها موتاً، ودون أن يعني علوها «تعدياً صفيقاً» على التاريخ.
إن المفارقة المبكية تكمن في أن الرجل الذي بنى مسيرته على روايات تحاكم الأيديولوجيات وصناعة الأيقونات الزائفة، يسقط اليوم في الفخ ذاته الذي ادعى تفكيكه. يتحول الروائي «الحداثي» فجأة إلى حارس لبوابة معبد قديم مهدم، ليمارس «سلفية ثقافية مقيتة» لا تختلف في جوهرها الإقصائي عن أي سلفية دينية متطرفة. عليك يا علي بدر أن تعيش زمنك لا زمن أسلافك، وأن تتخلى عن هذه الشوفينية الثقافية التي تلفظ أنفاسها الأخيرة. القوافل الإبداعية الخليجية تسير، وتنتج، وتترجم، وتصنع التاريخ حقيقةً لا مجازاً، بينما لم يتبقَ للمستعلين سوى إعادة تدوير الرماد.


