في خضم التساؤل العميق حول ما إذا كانت الصحافة تُغير أصحابها، تبرز مسيرة الصحفي علي مكي كإجابة حية ونموذج فريد للثبات على المبدأ. ففي عصر تتلاطم فيه أمواج الإعلام الرقمي وتتعدد فيه الأقنعة والوجوه، وتتشوه فيه مفاهيم المهنية، يقف مكي شامخًا، متمسكًا بهويته كـ”صحفي”، رافضًا أي مسمى آخر قد يطمس جوهر المهنة ورسالتها الحقيقية.
الصحافة في مواجهة الإعلام: أزمة هوية مهنية
شهد المشهد الإعلامي العربي، خلال العقدين الماضيين، تحولات جذرية فرضتها الثورة الرقمية. انتقلت السلطة من الصحافة الورقية الرصينة إلى فضاءات الإنترنت المفتوحة، وبرز مصطلح “الإعلامي” ليحل تدريجيًا محل “الصحفي”. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في المسميات، بل حمل معه تحديات كبرى لأخلاقيات المهنة؛ حيث طغت سرعة الخبر على دقته، وسطوة “الترند” على عمق التحليل، وبريق الشهرة على حساب المصداقية. في هذا السياق، فقد الكثيرون هويتهم الصحفية، وانجرفوا مع تيار التسطيح والمحتوى السريع، ليصبحوا مجرد وجوه إعلامية تفتقر إلى المضمون الحقيقي الذي قامت عليه الصحافة كسلطة رابعة تهدف إلى التنوير وكشف الحقيقة.
علي مكي: ثبات على المبدأ في زمن التقلبات
من قلب هذه التحولات، يبرز علي مكي كحالة استثنائية. هو الصحفي الذي عاش عوالم المهنة منذ بداياته، مخلصًا لمبادئها الأساسية، ومؤمنًا بقدسية “الكلمة” وقوتها وتأثيرها. لم يبهره بريق النجومية الذي غالبًا ما يقترن بالعمل الإعلامي، بل ظل راسخًا في مهنيته، يكتب المقال الصحفي بحرفية عالية ولغة رصينة، ويجري التحقيقات الهامة، ويدير الحوارات العميقة التي تستنطق الفكر وتستجلي المواقف.
تتجلى مهنية مكي في قدرته على دراسة شخصياته وأعمالهم وسيرهم بعمق، مما يمكنه من طرح الأسئلة الجوهرية التي تدفع ضيوفه إلى الكشف عن مكنونات أفكارهم. هذا الالتزام بالعمق والمهنية جعله اليوم واحدًا من أهم الأسماء الصحفية في العالم العربي، حيث يُستضاف في كبرى المحافل الأدبية والثقافية بصفته التي لم يتخلَّ عنها يومًا: صفة الصحفي.
إرث فكري وثقافي: حوارات تتجاوز الزمن
لم تقتصر مساهمات علي مكي على عمله اليومي، بل امتدت لتوثيق مرحلة هامة من تاريخ الفكر العربي. يُعد كتابه “علمانيون وإسلاميون.. جدالات في الثقافة العربية” وثيقة تاريخية بامتياز، حيث جمع فيه حواراته مع أكثر من 40 قامة فكرية وأدبية من مختلف أنحاء الوطن العربي. لم تكن مجرد حوارات عابرة، بل كانت بمثابة ذاكرة حية للثقافة والسياسة والأدب، استطاع من خلالها أن يرسم خريطة للتيارات الفكرية التي شكلت الوعي العربي.
وواصل شغفه الأدبي بإصدار كتابه الثاني “في صحراء إبراهيم الكوني”، الذي وقعه مؤخرًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ليضيف منجزًا جديدًا إلى مسيرته، مؤكدًا أن الصحافة الحقيقية يمكن أن تتعايش مع الأدب والثقافة وتثريهما. إن إنجازات مكي، التي جاءت بعد مسيرة طويلة، تؤكد أن النجاح الحقيقي يتطلب صبرًا وثقة، وأن السير نحو الهدف بثبات هو ما يصنع القيمة الحقيقية، بعيدًا عن مطاردة الأضواء الزائفة التي قد تؤدي إلى السقوط.


