تفاصيل المبادرة الإنسانية للفنانة أناهيد فياض
في لفتة إنسانية مؤثرة تجسد أسمى معاني العطاء، حولت الفنانة الأردنية أناهيد فياض وزوجها وزير الاقتصاد الرقمي والريادة السابق، مثنى الغرايبة، فاجعة فقدان ابنهما الشاب “كرم” إلى رسالة حياة وأمل. ففي مطلع شهر مارس الجاري، وعقب الوفاة المفجعة لابنهما، اتخذت العائلة قراراً نبيلاً بالتبرع بقرنيتيه، مما منح مريضين فرصة حقيقية لاستعادة نعمة البصر. هذه المبادرة لم تكن مجرد استجابة للحظة حزن، بل كانت قراراً واعياً يعكس إيماناً عميقاً بأن العطاء يمكن أن يولد من رحم المعاناة، وأن الحياة تستمر من خلال مساعدة الآخرين.
رؤية طبية لتطوير التبرع بالأعضاء عبر تطبيق سند
وفي هذا السياق، كشف عميد كلية الطب البشري في الجامعة الهاشمية، الدكتور محمد عبد الحميد القضاة، عن تفاصيل هذه الخطوة النبيلة. وأوضح أن والد الشاب الراحل تواصل معه فوراً لإبلاغه بقرار التبرع، مشيراً إلى أن هذا القرار الشجاع سيمكن شخصين من الإبصار لسنوات طويلة. وأكد الدكتور القضاة أن الأردن يمتلك بنية طبية متقدمة وكوادر صحية متخصصة قادرة على إجراء عمليات زراعة الأعضاء بكفاءة عالية. ومع ذلك، شدد على الحاجة الماسة لتطوير تنظيم هذا القطاع الحيوي على المستوى الوطني. ومن أبرز المقترحات التي قدمها في هذا الصدد، إدراج خيار ضمن تطبيق “سند” الحكومي يتيح للمواطنين الأردنيين تسجيل رغبتهم المسبقة في التبرع بأعضائهم بعد الوفاة، وهي خطوة رقمية حديثة من شأنها تسهيل الإجراءات وتشجيع ثقافة التبرع.
السياق التاريخي لزراعة الأعضاء في الأردن
تاريخياً، يُعد الأردن من الدول الرائدة في منطقة الشرق الأوسط في مجال الطب وزراعة الأعضاء. فقد سجلت المملكة نجاحات طبية مبكرة منذ عقود، حيث أُجريت أول عملية زراعة قلب في العالم العربي في مدينة الحسين الطبية في الثمانينيات. هذا الإرث الطبي العريق يجعل من الأردن بيئة خصبة لتبني وتوسيع برامج التبرع بالأعضاء. إن المبادرات الفردية، كتلك التي قامت بها عائلة الغرايبة، تعيد تسليط الضوء على أهمية استثمار هذا التقدم الطبي لإنقاذ المزيد من الأرواح، وتدفع نحو تفعيل القوانين والتشريعات التي تنظم بنوك الأعضاء والقرنيات بشكل أكثر شمولية.
الأهمية والتأثير الإقليمي والمحلي للمبادرة
على الصعيدين المحلي والإقليمي، تحمل هذه المبادرة أهمية بالغة. محلياً، تساهم في كسر الحواجز النفسية والمجتمعية التي قد تمنع البعض من التبرع بالأعضاء، وتفتح باباً للنقاش العام حول أهمية هذه الثقافة كصدقة جارية وعمل إنساني يخلد ذكرى الراحلين. إقليمياً، عندما تصدر مثل هذه الأفعال عن شخصيات عامة ومعروفة كالفنانة أناهيد فياض والوزير السابق مثنى الغرايبة، فإنها تتحول إلى نموذج يُحتذى به في العالم العربي. الشخصيات العامة تمتلك تأثيراً كبيراً في توجيه الرأي العام، ومبادرتهم تسلط الضوء على النقص العالمي والإقليمي في المتبرعين بالأعضاء، وتشجع العائلات الأخرى على اتخاذ قرارات مشابهة في أصعب اللحظات.
تفاعل مجتمعي واسع ورسالة أمل
لقد لاقت هذه المبادرة الإنسانية تفاعلاً واسعاً وإشادة كبيرة على مختلف منصات التواصل الاجتماعي. فقد عبر الآلاف من المتابعين والناشطين عن تضامنهم العميق مع العائلة في مصابهم، مشيدين بقدرتهم على تحويل الألم الشخصي القاسي إلى أمل حقيقي يغير حياة الآخرين. إن قصة الشاب كرم لن تُنسى، فقد أصبحت رمزاً للعطاء والتضحية، وتذكيراً دائماً بأن الإنسانية تتجلى في أبهى صورها عندما نمد يد العون لمن هم في أمس الحاجة إليها، حتى ونحن نمر بأقسى لحظات الفقد.


