تأسس معهد العالم العربي (IMA) في باريس عام 1987 بمبادرة فرنسية وبالتعاون مع 22 دولة عربية، بهدف إقامة جسر ثقافي وحضاري بين فرنسا والعالم العربي. لطالما كان المعهد منارة للتبادل الفكري والفني، ومساحة للحوار والتفاهم المتبادل. على مدار عقود، تعاقب على قيادته شخصيات بارزة، كان آخرها جاك لانغ الذي ترأس المعهد لأربعة عقود متواصلة، تاركاً بصمة واضحة في مسيرته ومساهماً في ترسيخ مكانة المعهد كمركز ثقافي رائد.
في خطوة تاريخية تكسر تقليداً دام أربعة عقود من القيادة الذكورية المتواصلة منذ تأسيسه، أعلن مجلس إدارة معهد العالم العربي في باريس، صباح الثلاثاء 17 فبراير، عن تعيين الدبلوماسية المخضرمة آن-كلير لوجوندر رئيسةً للمعهد. يأتي هذا التعيين خلفاً لجاك لانغ، الذي قدم استقالته قبل عشرة أيام، ليمثل نقطة تحول مفصلية في المسيرة المؤسسية لهذا الصرح الثقافي الباريسي العريق، ويفتح آفاقاً جديدة للدبلوماسية الثقافية الفرنسية العربية.
آن-كلير لوجوندر، البالغة من العمر 46 عاماً، تتمتع بمسيرة دبلوماسية حافلة ومتنوعة. انضمت إلى الخلية الدبلوماسية بقصر الإليزيه في ديسمبر 2023، حيث شغلت منصب مستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط، مما يؤكد عمق معرفتها بالمنطقة وحساسية قضاياها. وقبل ذلك، تولت منصب المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية لأكثر من عامين، وكانت القنصل العام لفرنسا في نيويورك بين عامي 2016 و2020، كما أدارت السفارة الفرنسية في الكويت لفترة وجيزة، مما أكسبها خبرة واسعة في العلاقات الدولية.
تنحدر لوجوندر من منطقة بريتاني الفرنسية، وتتقن اللغة العربية بطلاقة بعد دراستها في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO)، مما يمنحها ميزة فريدة في فهم الثقافة العربية والتواصل معها بشكل عميق ومباشر. كما تحمل شهادات عليا من معهد العلوم السياسية في باريس وجامعة السوربون في الآداب الحديثة، ولديها خبرة إعلامية سابقة في تقديم نشرات الأخبار على قناة فرنسية، مما يعزز قدرتها على التواصل الفعال مع الجمهور ووسائل الإعلام.
يمثل تعيين لوجوندر علامة فارقة ليس فقط للمعهد، بل للدبلوماسية الثقافية الفرنسية والعربية بشكل عام، كونه يضع امرأة على رأس مؤسسة بهذا الحجم بعد عقود من القيادة الذكورية. هذا يعكس التزاماً متزايداً بالمساواة بين الجنسين في المناصب القيادية ويعطي دفعة قوية لتمكين المرأة في مجالات الثقافة والدبلوماسية، مما يبعث برسالة إيجابية على الصعيدين المحلي والدولي.
إن خلفيتها الدبلوماسية العميقة، بخلاف الرؤساء السابقين الذين كانوا غالباً من الشخصيات الثقافية أو السياسية البارزة، تعد إضافة نوعية للمعهد. فهي تجلب معها رؤية استراتيجية وقدرة على التعامل مع التعقيدات الجيوسياسية، مما يمكن المعهد من لعب دور أكثر فاعلية في تعزيز الحوار الثقافي في سياق التحديات الراهنة في المنطقة والعالم، وتوسيع نطاق تأثيره ليشمل أبعاداً دبلوماسية أوسع.
برز اسم لوجوندر بشكل لافت في ملف اعتراف باريس بدولة فلسطين، حيث قادت اتصالات مكثفة مع عواصم عربية وغربية، بما في ذلك لندن وأوتاوا وكانبيرا، في إطار الجهود الدبلوماسية الفرنسية المتعلقة بهذه القضية الحساسة. هذا الدور يؤكد قدرتها على التعامل مع القضايا الإقليمية المعقدة ويعزز من مصداقيتها كشخصية قادرة على قيادة حوارات هامة ومؤثرة.
أكدت مصادر مطلعة أن اختيار لوجوندر حظي بإجماع مجلس الإدارة، الذي يتألف من سبعة سفراء عرب وسبعة أعضاء معينين من قبل وزارة الخارجية الفرنسية، مما يدل على قبول واسع لشخصيتها وكفاءتها من مختلف الأطراف. وقد علق الدبلوماسي الفرنسي دينيس بوشار قائلاً: “كنت أخشى اختيار شخصية سياسية بعيدة عن الثقافة، لكن تعيين آن-كلير لوجوندر قرار صائب”، مما يسلط الضوء على التوازن الذي تحققه بين الخبرة السياسية والدبلوماسية والفهم الثقافي.
مع هذا الكسر التاريخي والخبرة الدبلوماسية العميقة التي تتمتع بها، يدخل المعهد مرحلة جديدة تراهن على فهم أدق لنبض العالم العربي وتحولاته، وتعزيز دوره كمركز حيوي للدبلوماسية الثقافية، ليس فقط بين فرنسا والعالم العربي، بل كجسر للتفاهم بين الشرق والغرب في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً. من المتوقع أن تسهم لوجوندر في تحديث رؤية المعهد وتوسيع نطاق تأثيره، مستفيدة من شبكتها الدبلوماسية الواسعة وخبرتها في التعامل مع القضايا الدولية لتعزيز الحوار والتفاهم المتبادل.


