جدد الرئيس اللبناني ميشال عون تأكيده على ضرورة ترسيخ سيادة الدولة الكاملة على أراضيها، وحصر السلاح بيد القوات المسلحة الشرعية وحدها، معرباً عن التزامه بالعمل على إعادة بناء ما تهدم بإرادة وطنية جامعة ودعم الأصدقاء الدوليين. جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده في بيروت مع نظيره الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، حيث شدد عون على أن وحدة الأوطان لا تتحقق إلا بالاستقلال الناجز وبسط سلطة الدولة دون شريك.
تأتي هذه التصريحات في سياق تاريخي معقد يشهده لبنان، الذي عانى لعقود من صراعات داخلية وتدخلات خارجية أثرت على مفهوم الدولة المركزية وسلطتها. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، التي رسخها اتفاق الطائف، ظل ملف حصر السلاح بيد الدولة تحدياً محورياً. لطالما شكل وجود أطراف مسلحة خارج إطار الدولة، وعلى رأسها حزب الله، نقطة خلاف أساسية في المشهد السياسي اللبناني، حيث يرى البعض في سلاحه ضرورة للمقاومة، بينما يراه آخرون تعدياً على سيادة الدولة ومخالفة للدستور اللبناني والقرارات الدولية.
وأشار الرئيس عون إلى أن اللبنانيين تعلموا من تجاربهم وتجارب الدول الصديقة أن أقسى دمار يمكن تجاوزه حين تتوافر الإرادة الحرة والموحدة، وأن إسقاط جدران الحقد التي خلفتها الاحتلالات والانتدابات المتعاقبة يبدأ بقرار وطني جامع يضع مصلحة لبنان أولاً. ودعا عون نظيره الألماني إلى مواصلة نقل الصورة الحقيقية للبنان إلى العالم، مؤكداً التزام الدولة اللبنانية بتعلم الدروس من تجاربها وتجارب أصدقائها، والعمل لمصلحة لبنان أولاً، في خير شعبه وسلام منطقته.
واستذكر الرئيس اللبناني ما قاله شتاينماير خلال زيارته لبيروت عام 2018، حين وصف العاصمة بأنها “مكان يمكن أن ينجح فيه الحوار”، وأن اللبنانيين “حولوا التجارب الأليمة إلى مبدأ للبقاء”، مؤكداً تمسك اللبنانيين بهذا النهج وبخيار السلام.
من جانبه، أعلن الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير دعم بلاده لاستقرار لبنان، معبراً عن محبته لهذا البلد الذي وصفه بالرائع، ومستذكراً زيارته إليه خلال حرب عام 2006 ومعاناة اللبنانيين آنذاك. وأكد استمرار دعم ألمانيا للجيش اللبناني، لافتاً إلى أن برلين ستبقى إلى جانب لبنان حتى بعد انتهاء مهمتها ضمن قوات اليونيفيل، وذكر أن ألمانيا كانت من الجهات الأساسية في التعاون الأمني والتنموي مع لبنان.
وشدد الرئيس الألماني على أهمية الإصلاحات وإعادة بناء ثقة المواطنين والشركاء الدوليين، معتبراً أن هدف ألمانيا هو استقرار وسلام المنطقة بما ينعكس تهدئة داخلية في لبنان. كما أعرب عن تقديره لجهود الدولة اللبنانية في تحمل أعباء استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين من سوريا والأراضي الفلسطينية، مشيداً بجهود لبنان في وقف إطلاق النار مع إسرائيل.
وفي خطوة تعكس الموقف الدولي، أكد شتاينماير ضرورة التزام لبنان وإسرائيل باتفاقية وقف إطلاق النار، داعياً إلى انسحاب الجنود الإسرائيليين من جنوب لبنان. والأهم من ذلك، صرح بأن نزع سلاح حزب الله يجب أن يسير على قدم وساق، في إطار ترسيخ سيادة الدولة اللبنانية وتعزيز استقلالها واستقرارها.
إن دعوة شتاينماير لتسريع نزع سلاح حزب الله تكتسب أهمية إقليمية ودولية بالغة، حيث يعتبر المجتمع الدولي أن وجود ميليشيات مسلحة خارج سيطرة الدولة يمثل تحدياً للسيادة والاستقرار، ويتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي، لا سيما القرار 1701 الذي يدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. هذا الملف يؤثر بشكل مباشر على العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية، وعلى الدور الإيراني في المنطقة، ويضع لبنان في قلب التجاذبات الإقليمية.
على الصعيد المحلي، فإن تحقيق السيادة الكاملة وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني أمر حيوي لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وتمكين الحكومة من تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الضرورية التي طال انتظارها. كما أنه يمهد الطريق لاستقطاب الاستثمارات الدولية ويعزز مكانة لبنان كدولة ذات سيادة كاملة وقادرة على حماية حدودها وشعبها، بعيداً عن أي أجندات خارجية قد تهدد استقراره الهش.
تؤكد هذه الزيارة والمحادثات بين الرئيسين اللبناني والألماني على الدعم الدولي المستمر للبنان، ولكنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على التحديات الجوهرية التي تواجه الدولة اللبنانية في سعيها لتحقيق الاستقرار والسيادة الكاملة. إن الطريق نحو لبنان قوي ومستقر يتطلب إرادة سياسية داخلية حقيقية ودعماً دولياً متواصلاً لتمكين الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها.


