في خطوة دبلوماسية مهمة تعكس التزام الدول العربية والإسلامية بتحقيق السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، عقدت اللجنة الوزارية العربية الإسلامية اجتماعاً حاسماً في العاصمة السلوفاكية براتيسلافا يوم الجمعة. تركزت المباحثات على التطورات المتسارعة في قطاع غزة والجهود الرامية إلى وقف فوري لإطلاق النار، بالإضافة إلى دفع مسار السلام الإقليمي الشامل القائم على حل الدولتين، وهو الحل الذي يحظى بتوافق دولي واسع كسبيل وحيد لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المستمر منذ عقود.
يأتي هذا الاجتماع في ظل تصاعد الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، الذي يشهد أوضاعاً كارثية تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً. الصراع الأخير، الذي اندلع في أكتوبر الماضي، ألقى بظلاله الثقيلة على المنطقة بأسرها، مسبباً خسائر بشرية فادحة ودماراً واسع النطاق. لطالما كانت القضية الفلسطينية محور الدبلوماسية العربية، حيث تؤكد الدول العربية باستمرار على ضرورة إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
عُقد الاجتماع بدعوة كريمة من وزيرة الخارجية السلوفاكية، تانيا فايون، مما يؤكد اهتمام سلوفاكيا، كدولة عضو في الاتحاد الأوروبي، بدعم جهود السلام والاستقرار في المنطقة. شارك في هذا اللقاء رفيع المستوى عدد من وزراء الخارجية العرب البارزين، بمن فيهم الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، وأيمن الصفدي وزير الخارجية الأردني، وبدر عبد العاطي وزير الخارجية المصري، وعبد اللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية البحريني، بالإضافة إلى سلطان بن سعد المريخي وزير الدولة للشؤون الخارجية بدولة قطر. هذا التجمع يعكس إجماعاً عربياً على ضرورة تنسيق المواقف والتحرك الفعال على الساحة الدولية لمعالجة الأزمة.
دعوات لوقف إطلاق النار وتسهيل المساعدات
خلال المؤتمر الصحفي المشترك، أكد الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، أن الاجتماع تناول سبل دعم جهود السلام الأمريكية الرامية إلى إنهاء الصراع في غزة ووقف القتل، بما يساهم في تحقيق الاستقرار المنشود. وأشار سموه إلى الدور المحوري للإدارة الأمريكية في عملية السلام، مؤكداً في الوقت ذاته على التحديات المستمرة التي تواجه تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار القطاع، وهي قضايا تتطلب حلولاً فورية ومستدامة.
من جانبها، شددت وزيرة الخارجية السلوفاكية، تانيا فايون، على الأهمية القصوى لمنع تدهور اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، مؤكدة ضرورة عدم إغفال التطورات في الضفة الغربية، والتي يجب أن تحظى بالاهتمام بالتوازي مع التركيز على الأوضاع الإنسانية المتردية في القطاع. رحبت فايون بفتح معبر رفح، مشيدة بدوره في تسهيل حركة الفلسطينيين وضمان وصول المساعدات الحيوية. كما أشادت بجهود مجموعة الاتصال العربية في لفت الانتباه الدولي للأزمة الإنسانية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، مؤكدة التزام بلادها الراسخ بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وحق شعوب المنطقة في العيش بسلام وأمان.
الموقف العربي الموحد: حل الدولتين والقدس الشرقية
أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، تقدير بلاده للموقف السلوفاكي الداعم للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، بما في ذلك اعتراف سلوفاكيا بدولة فلسطين وموقفها المتسق في المحافل الدولية. وشدد عبد العاطي على الموقف المصري الثابت والداعم لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. كما أكد على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وضمان التواصل الجغرافي والديموغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية، رافضاً أي محاولات لتقسيم القطاع أو فصله عن باقي الأراضي الفلسطينية، وهو ما يتسق مع الموقف العربي والدولي الرافض لأي تهجير قسري أو تغيير ديموغرافي.
وأشار الوزير المصري إلى أهمية استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة السلام المقترحة، مثمناً الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في غزة وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. وأعلن دعم مصر للخطة الشاملة لتسوية النزاع، ولقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وما تتضمنه من ترتيبات انتقالية لإدارة القطاع، مؤكداً دعم القاهرة الكامل لعمل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة. ولفت إلى أهمية الدور المنوط بهذه اللجنة في إدارة الشؤون اليومية لسكان القطاع وتلبية احتياجاتهم الأساسية خلال المرحلة الانتقالية، مشدداً على أهمية مواصلة تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى القطاع، وتشكيل ونشر قوة استقرار دولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وهو ما يعكس رؤية شاملة للتعامل مع الأزمة.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، أن أولويات الأردن في المرحلة الحالية تركز على المضي قدماً في جهود السلام، بما يسهم في تحقيق الاستقرار في قطاع غزة. وثمن الصفدي الدور الذي تضطلع به سلوفاكيا في إيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع عبر الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن سلوفاكيا كانت شريكاً فعالاً في الجهود الرامية إلى وقف الحرب على غزة. وبين أن الأولوية العاجلة تتمثل في تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإغاثية إلى أهالي قطاع غزة دون أي عوائق، في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يمر بها القطاع. وشدد الصفدي على أهمية الدفع نحو حل سياسي شامل يقوم على أساس حل الدولتين، بما يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ويحقق الأمن والاستقرار الدائم في المنطقة.
التأثير الإقليمي والدولي
يعكس هذا الاجتماع الوزاري في سلوفاكيا الأهمية المتزايدة للدبلوماسية متعددة الأطراف في معالجة الأزمات المعقدة. إن التوافق العربي والإسلامي على ضرورة حل الدولتين، والدعوة لوقف فوري لإطلاق النار، وتأمين المساعدات الإنسانية، يرسل رسالة واضحة للمجتمع الدولي حول المسار المطلوب لتحقيق السلام. كما أن استضافة سلوفاكيا لهذا الاجتماع يؤكد على الدور المتنامي للدول الأوروبية في دعم هذه الجهود، ويسلط الضوء على الترابط بين الأمن الإقليمي والدولي. إن تحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط ليس فقط مصلحة للشعوب المتضررة، بل هو ركيزة أساسية للأمن والاستقرار العالميين.
تظل مصر ملتزمة بمواصلة الانخراط البناء مع كافة الشركاء الإقليميين والدوليين للتوصل لحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، مؤكدة أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه إلا من خلال معالجة الأسباب الجذرية للصراع، وليس فقط أعراضه. هذا النهج الشامل يضمن معالجة كافة جوانب القضية، من حقوق اللاجئين إلى وضع القدس، وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة. إن الجهود الدبلوماسية المستمرة، مثل هذا الاجتماع في براتيسلافا، تمثل خطوات حيوية نحو بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لجميع شعوب المنطقة.


