spot_img

ذات صلة

الإعلام العربي والعالمية: رؤى من المنتدى السعودي للإعلام

صورة للمشاركين في المنتدى السعودي للإعلام

في ظل تحولات المشهد الإعلامي العالمي المتسارعة، وتزايد الحاجة إلى صوت عربي مؤثر وقادر على تشكيل الرأي العام الدولي، شهد المنتدى السعودي للإعلام في نسخته الخامسة نقاشات محورية حول سبل تحقيق الإعلام العربي للعالمية. أكد رئيس التحرير الزميل جميل الذيابي، خلال جلسة “نصف ساعة مكاشفة: ماذا يحتاج الإعلام العربي ليكون عالميًا؟”، أن الإعلام المحلي والعالمي يفقد تأثيره الجوهري في حال غياب المعلومة الموثوقة، أو عندما يقتصر خطابه على الداخل دون رؤية إقليمية أو عالمية شاملة. ووصف الذيابي الإعلام العربي بأنه يعاني أحيانًا من حالة انفعالية تحول دون تبني سردية واضحة ومحكمة لتأطير القصة الصحفية أو التحقيق الاستقصائي، وهو ما يحد من قدرته على اختراق الوعي العالمي.

لطالما واجه الإعلام العربي تحديات جمة في إيصال صوته وروايته إلى الساحة الدولية، حيث غالبًا ما كان يُنظر إليه كمتلقٍ أو رد فعل على الأحداث، بدلاً من أن يكون صانعًا للخبر ومؤثرًا في مساره. هذه الخلفية التاريخية من الانحسار المحلي، بالإضافة إلى الحواجز اللغوية والثقافية، ساهمت في صعوبة بناء جسور الثقة مع الجمهور الغربي وصناع القرار فيه. ومع التطورات الرقمية الهائلة وظهور منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى للإعلام العربي لتجاوز هذه القيود، شريطة أن يتبنى استراتيجيات جديدة تركز على المهنية والمصداقية.

وشدد الذيابي على أن عالمية الإعلام لا يمكن أن تتحقق بمجرد الترجمة اللغوية للمحتوى، بل تتطلب سردية غير انفعالية قائمة على الحقائق الدقيقة والموثقة. فالعالم اليوم، كما وصفه، “في غرفة واحدة”، والمعلومة تنتقل بسرعة البرق، مما يجعل المصداقية هي العملة الأكثر قيمة. وأكد على أهمية محافظة الإعلام على هذه المصداقية والموثوقية، حتى لو فقد الأسبقية في نشر الخبر، لأن ذلك هو ما يصنع تأثيرًا أعمق وأبقى في “عالم يتشكّل”. ودعا إلى بناء هوية إعلامية واضحة وسياسة تحريرية ثابتة ترتكز على مهنية عالية وبصمة مؤثرة، معترفًا بوجود جانب من انعدام الثقة أحيانًا بين الصحفي والمصدر، ومؤكدًا أن “إذا غابت المعلومة غاب الخبر”.

من جانبه، ألقى الدكتور مأمون فندي، مدير معهد لندن للإستراتيجية العالمية، الضوء على كيفية نظر صانع القرار في الغرب إلى الإعلام العربي، موضحًا أنهم يبحثون عن “القصة” المترابطة والمدعومة بالحقائق. وأشار فندي إلى أن القضايا الاقتصادية القادمة من دول مؤثرة مثل المملكة العربية السعودية تحظى باهتمام خاص، نظرًا لثقلها الاقتصادي ودورها المتنامي على الساحة العالمية، خاصة في سياق رؤية السعودية 2030 التي تعزز من مكانة المملكة كقوة اقتصادية وثقافية. بينما تمر القضايا السياسية عبر معايير أكثر صرامة تتطلب مصادر موثوقة وتقييمًا من مراكز أبحاث متخصصة للتحقق من صدقية المعلومة القادمة من العالم العربي، مما يؤكد على الحاجة الماسة لبناء مؤسسات إعلامية عربية ذات مصداقية راسخة.

وصف فندي حالة انعدام الثقة بين المصدر والصحفي في المنطقة بأنها “عمل طويل ومعقد”، مؤكدًا أن نقل القصة العربية إلى سردية عالمية يحتاج جهدًا أكبر من مجرد التأثير اللحظي المؤقت. وأضاف أن صناعة إعلام مؤثر تتطلب مؤسسات إعلامية عربية ذات مصداقية عالية، تكون قصصها متشابكة مع القضايا العالمية، قادرة على مخاطبة العقلية الغربية بلغتها ومنطقها. كما أشار إلى أن الانبهار بالذكاء الاصطناعي سيخفت مع الوقت، فيما ستظل القيمة الحقيقية في المعلومة المحكّمة والموثّقة والمدقّقة، مما يضع عبئًا أكبر على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية لضمان جودة المحتوى ودقته.

تتلخص مخرجات الجلسة، التي أدارها الإعلامي خالد مدخلي، في ضرورة الانتقال بالإعلام العربي من دور “المتلقي” إلى “صانع الخبر” القادر على التأثير وفرض السردية في الساحة العالمية، وانتزاع “سيادة السردية”. هذا التحول يتطلب استثمارًا في الكوادر الإعلامية المؤهلة، وتطوير سياسات تحريرية شفافة، والتعامل بذكاء مع المنصات العالمية وخوارزمياتها لضمان وصول الصوت العربي. إن تعزيز حضور الإعلام العربي المؤثر عالميًا ليس مجرد طموح، بل ضرورة استراتيجية لتقديم منظور متوازن حول قضايا المنطقة والعالم، والمساهمة بفاعلية في الحوار العالمي، مما يعكس الأهمية المتزايدة للمنتديات مثل المنتدى السعودي للإعلام في رسم خارطة طريق لمستقبل إعلامي عربي أكثر إشراقًا وتأثيرًا.

spot_imgspot_img