في خطوة تعكس التزامًا عربيًا راسخًا تجاه القضية الفلسطينية، جدد البرلمان العربي تأكيده على دعمه الثابت للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، مطلقًا تحذيرًا صارمًا من مغبة تحويل الضفة الغربية المحتلة إلى “غزة ثانية”. جاء ذلك خلال الاجتماع الثاني للجنة فلسطين بالبرلمان العربي لدور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الرابع، الذي عُقد اليوم (الأربعاء)، برئاسة محمد بن أحمد الماحي، رئيس البرلمان العربي، وبحضور السفير مهند العكلوك، مندوب دولة فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية. هذا الاجتماع يأتي في سياق متابعة حثيثة للمستجدات المتسارعة والخطيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تشهد تصعيدًا غير مسبوق.
السياق التاريخي والراهن لدعم القضية الفلسطينية
لطالما كانت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعالم العربي، ومحور اهتمام المؤسسات الإقليمية والدولية. يمثل البرلمان العربي، بصفته هيئة تشريعية تمثل الشعوب العربية، صوتًا برلمانيًا موحدًا يسعى للدفاع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية. يأتي هذا التأكيد في ظل ظروف استثنائية تمر بها المنطقة، حيث يشهد قطاع غزة عدوانًا وحصارًا مستمرين منذ أشهر، مخلفًا دمارًا هائلاً وأزمة إنسانية كارثية. هذه الأحداث الأخيرة أعادت تسليط الضوء على الحاجة الملحة لتفعيل الدعم العربي والدولي لوقف الانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة في كافة الأراضي الفلسطينية.
وأكد رئيس البرلمان العربي، محمد بن أحمد الماحي، أن دعم القضية الفلسطينية يظل أولوية مطلقة ومحورية للبرلمان العربي، مشددًا على أن أي محاولات لصرف الأنظار عن الجرائم المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية لن تنجح. وأوضح أن فلسطين ليست مجرد ملف عابر أو قضية يمكن تأجيلها، بل هي البوصلة التي توجه كل تحركات البرلمان السياسي والبرلماني، مؤكدًا على أن الموقف العربي الموحد هو صمام الأمان في مواجهة التحديات الراهنة.
تحذير من تصعيد “غزة ثانية” في الضفة الغربية
في صلب رسالته، شدد رئيس البرلمان العربي على أن ما يحدث في قطاع غزة يمثل حرب إبادة مكتملة الأركان، مع استمرار خرق اتفاقيات وقف إطلاق النار، واستهداف المدنيين الأبرياء، وفرض حصار وتجويع قسري يخالف القانون الدولي الإنساني. وحمّل كيان الاحتلال المسؤولية الكاملة عن استمرار هذا العدوان الوحشي وفشل أي محاولات لوقف إطلاق النار، مؤكدًا على ضرورة محاسبة مرتكبي هذه الجرائم.
وفي تحذير بالغ الأهمية، نبه اليماحي من تصعيد كيان الاحتلال في الضفة الغربية، محذرًا من تحويلها إلى «غزة ثانية». هذا التحذير يعكس مخاوف عميقة من تكرار سيناريو الدمار الشامل والتهجير القسري الذي شهده قطاع غزة، من خلال ممارسات مثل القتل الميداني، وفرض العقاب الجماعي على المدنيين، والتوسع الاستيطاني غير الشرعي الذي يلتهم الأراضي الفلسطينية، وهدم المنازل، وتهجير السكان من أراضيهم. كما استنكر بشدة إرهاب المستوطنين المتطرفين وتصعيد اقتحاماتهم للمسجد الأقصى المبارك واعتداءاتهم المتكررة على المدنيين والممتلكات الفلسطينية، وهي ممارسات تهدف إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني للقدس الشريف.
التأثيرات المتوقعة ودعوات للمحاسبة الدولية
إن استمرار التصعيد في الضفة الغربية، وتحويلها إلى “غزة ثانية”، ستكون له تداعيات كارثية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محليًا، سيزيد من معاناة الشعب الفلسطيني، ويقوض أي آمال في إقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة. إقليميًا، سيؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة، ويزيد من الضغوط على الدول العربية، وقد يدفع نحو توسع دائرة الصراع. دوليًا، يمثل هذا التصعيد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ويقوض جهود السلام العالمية، ويضع مصداقية المؤسسات الدولية على المحك.
وجدد البرلمان العربي التزامه الثابت بمحاسبة قادة كيان الاحتلال على جرائمهم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ودعم تجميد عضوية كنيست كيان الاحتلال في الاتحاد البرلماني الدولي، ووضع المستوطنين المتطرفين على قوائم الإرهاب الدولية. كما أكد على دعمه الكامل للاعتراف بدولة فلسطين وعاصمتها مدينة القدس الشرقية، كخطوة أساسية نحو تحقيق العدالة والسلام. ووجه رئيس البرلمان العربي تحية إجلال وإكبار لأبناء الشعب الفلسطيني على صمودهم الأسطوري وثباتهم في مواجهة العدوان، مؤكدًا استمرار البرلمان العربي في حشد الدعم السياسي والقانوني والبرلماني للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وضمان استمرار طرح قضيته العادلة في وسائل الإعلام الدولية والعربية.
تكاتف عربي ودولي لمواجهة الانتهاكات
من جانبه، أعرب السفير مهند العكلوك عن شكر وتقدير الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية لجهود رئيس البرلمان العربي وأعضاء اللجنة، مشيرًا إلى أن الشعب الفلسطيني يمر بأصعب مراحله التاريخية، وأن التحديات الحالية تتطلب تكاتفًا عربيًا ودوليًا غير مسبوق لوقف الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة. ودعا البرلمان العربي إلى تبني توصيف قانوني واضح لحرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، واعتماد تسمية رسمية للجريمة، وتخصيص يوم لإحياء ذكرى ضحاياها، بما يضمن محاسبة مرتكبيها وإلحاق العقوبات بقادة الاحتلال، ويساهم في توثيق هذه الجرائم للأجيال القادمة.
في ختام الاجتماع، أكدت اللجنة أن فلسطين ستظل في صدارة اهتمام البرلمان العربي، واعتمدت عددًا من التوصيات والقرارات المهمة التي سيتم رفعها إلى الجلسة العامة للبرلمان العربي لاعتمادها ضمن التحركات القادمة لدعم القضية الفلسطينية على كافة المستويات السياسية والقانونية والإعلامية والدبلوماسية، بهدف تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.


