يواجه معهد العالم العربي في باريس مرحلة مفصلية وحاسمة مع اقتراب موعد حسم هوية رئيسه الجديد في السابع عشر من الشهر الجاري، خلفًا لوزير الثقافة الفرنسي الأسبق جاك لانغ. يأتي هذا القرار في خضم تحولات جيوسياسية وثقافية متسارعة، والتي من شأنها أن تعيد رسم ملامح العلاقة بين فرنسا والعالم العربي لسنوات قادمة.
خلفية تاريخية: معهد العالم العربي وجاك لانغ
تأسس معهد العالم العربي (Institut du Monde Arabe – IMA) في عام 1987 بمبادرة من فرنسا وثمانية عشر دولة عربية، ليكون جسرًا ثقافيًا فريدًا يهدف إلى تعزيز المعرفة بالثقافة والحضارة العربية في فرنسا وأوروبا، وتشجيع الحوار والتفاهم المتبادل. يقع المعهد في مبنى أيقوني صممه المعماري الشهير جان نوفيل، ويُعد رمزًا للتعاون الثقافي بين الشرق والغرب. على مدى ثلاثة عشر عامًا، ترأس جاك لانغ المعهد، وهو شخصية بارزة في المشهد السياسي والثقافي الفرنسي، حيث شغل منصب وزير الثقافة لفترات طويلة في عهد الرئيس فرانسوا ميتران، وكان له دور محوري في إطلاق مبادرات ثقافية كبرى مثل “عيد الموسيقى” وتشييد هرم اللوفر. تحت قيادته، سعى المعهد إلى توسيع نطاق أنشطته الثقافية والفنية، ليصبح منارة للثقافة العربية في قلب أوروبا.
عاصفة “إبستين”: استقالة تحت وطأة التحقيقات
اندلعت الأزمة التي أدت إلى استقالة جاك لانغ في أواخر يناير الماضي، مع الكشف عن رسائل إلكترونية وصور تشير إلى علاقة بين لانغ وابنته كارولين بالملياردير الأمريكي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين. فتح المكتب الوطني المالي تحقيقًا أوليًا بشبهة “غسل أموال ناتجة عن تهرب ضريبي مشدد” يستهدف الوزير السابق. هذه التطورات فرضت ضغوطًا سياسية وإعلامية هائلة على لانغ، الذي أعلن استقالته من رئاسة المعهد في اليوم التالي لاستدعائه من قبل وزارة الخارجية الفرنسية. جاءت استقالته، التي وصفها بأنها “بشكل أنيق ومهذب”، لتنهي حقبة استمرت 13 عامًا على رأس إحدى أبرز المؤسسات الثقافية الفرنسية ذات البعد العربي.
تُعد قضية جيفري إبستين واحدة من أكبر الفضائح الجنسية التي هزت العالم، حيث تورط فيها شخصيات نافذة من عالم السياسة والأعمال والفن. إن مجرد ذكر اسم لانغ في سياق هذه القضية، حتى لو كانت الاتهامات غير مثبتة بعد، كان كافيًا لإثارة جدل واسع وتشويه صورته العامة، مما استدعى اتخاذ إجراءات سريعة لحماية سمعة المؤسسة التي يترأسها.
تأثير الأزمة على العلاقات الثقافية الفرنسية-العربية
تتجاوز تداعيات هذه الأزمة مجرد تغيير إداري في معهد العالم العربي. على الصعيد المحلي في فرنسا، تثير القضية تساؤلات حول معايير الشفافية والمساءلة للشخصيات العامة التي تشغل مناصب قيادية في المؤسسات الثقافية. كما أنها قد تؤثر على ثقة الجمهور في هذه المؤسسات. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن استقالة شخصية بحجم جاك لانغ في ظل هذه الظروف قد تلقي بظلالها على العلاقات الثقافية الفرنسية-العربية. معهد العالم العربي هو رمز لهذه العلاقات، وأي اهتزاز في قيادته أو سمعته يمكن أن يؤثر على جهود التقارب والتفاهم بين الجانبين. في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية واجتماعية عميقة، تزداد أهمية الدور الذي يلعبه المعهد في تعزيز صورة إيجابية للعالم العربي في الغرب، والعكس صحيح.
بورصة الأسماء: سباق على الرئاسة وتحديات المستقبل
مع بدء دائرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون البحث عن خليفة لجاك لانغ، تصاعدت التكهنات في الأوساط الثقافية والإعلامية حول قائمة المرشحين لقيادة هذه المؤسسة الحيوية. من بين الأسماء المطروحة بقوة، تبرز أودري أزولاي، المديرة العامة لمنظمة اليونسكو ووزيرة الثقافة السابقة، التي وُصفت بأنها المرشحة الأوفر حظًا. ومع ذلك، أثير جدل حول اسمها مؤخرًا، حيث وردت معلومات تزعم تداول اسمها ضمن “ملفات إبستين” دون تقديم أدلة قاطعة. وقد أكدت صحيفة فرنسية أن الإشارة الوحيدة لاسمها جاءت في نشرة صحفية تناولت تعيينها مديرة عامة لليونسكو في أكتوبر 2017، ولا تحمل أي طابع قضائي.
كما يتم تداول أسماء أخرى مثل ريما عبد الملك، وزيرة الثقافة السابقة ذات الأصول اللبنانية، والتي ترددت أنباء عن اعتذارها عن المنصب. ويضاف إلى القائمة جان إيف لودريان، وزير الخارجية السابق، الذي يرأس حاليًا الوكالة الفرنسية للتنمية، والدبلوماسية آن كلير لوجوندر، مستشارة ماكرون لشؤون الشرق الأوسط، إلى جانب السفير الفرنسي السابق لدى المملكة العربية السعودية، فرانسوا غوييت، المعروف بخبرته في الشأن العربي.
تشير المعطيات إلى أن وزارة الخارجية الفرنسية تسعى إلى إحداث قطيعة مع “سنوات لانغ” وفتح مرحلة جديدة تعيد ترتيب أولويات المعهد، في ظل تحولات العلاقة بين فرنسا والعالم العربي وتغير موازين التأثير الثقافي في المنطقة. القرار المرتقب لن يكون مجرد تعيين إداري، بل سيكون عنوانًا لمرحلة جديدة في تاريخ معهد العالم العربي، تحدد ما إذا كان المعهد سيواصل نهج الانفتاح الثقافي الذي طبع المرحلة السابقة، أم سيدفع بشخصية جديدة تعيد رسم ملامح الدور الفرنسي في الفضاء الثقافي العربي.
كتاب مؤجل وإرث ثقافي ثقيل
تزامنًا مع التحقيقات، أعلنت دار غاليمار للنشر تأجيل إصدار كتاب جاك لانغ الجديد “حياتي مع ميتران”، الذي كان مقررًا في الأول من مايو 2026، إلى النصف الثاني من العام نفسه. وأشارت الدار إلى أن المؤلف لم ينهِ عمله في ظل العاصفة التي أحاطت به. يندرج الكتاب ضمن سلسلة “حياتي مع…” التي تتناول العلاقات الفكرية الممتدة بين كتاب وشخصيات تاريخية، وسبق أن ضمت أعمالًا عن برنار كازنوف حول فرانسوا مورياك، وكاثرين كوسيه عن مارسيل بروست، وفرانسوا سورو عن غيوم أبولينير، وآلان مينك عن كارل ماركس. هذا التأجيل يعكس حجم الضغوط التي تعرض لها لانغ، ويؤكد على الأثر العميق للأزمة على مسيرته المهنية والشخصية.
يُعد لانغ أحد أبرز رموز المرحلة الثقافية في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، التي شهدت إقرار قانون السعر الموحد للكتاب، وإطلاق “عيد الموسيقى”، وتشييد هرم متحف اللوفر الذي صممه المعماري إيوه مينغ بي، بالإضافة إلى عمودية دانيال بورين في ساحة القصر الملكي، والتي أثارت عام 1986 جدلاً واسعًا وصفته صحيفة “لوفيغارو” آنذاك بـ “معركة هيرناني الحديثة”.
كان آخر مؤلفات لانغ قبل الأزمة كتاب “اللغة العربية، فرصة لفرنسا”، الصادر في يونيو 2025 ضمن سلسلة “تراكتس”، عندما كان لا يزال على رأس معهد العالم العربي. هذا الكتاب يعكس اهتمامه العميق باللغة العربية ودورها في تعزيز الروابط الثقافية.
مرحلة جديدة وتطلعات مستقبلية
يبقى السؤال مطروحًا في الأوساط الباريسية: هل ستختار الإليزيه اسمًا يواصل نهج الانفتاح الثقافي الذي طبع المرحلة السابقة، أم ستدفع بشخصية جديدة تعيد رسم ملامح الدور الفرنسي في الفضاء الثقافي العربي؟ القرار المرتقب لن يكون مجرد تعيين إداري، بل سيكون عنوانًا لمرحلة جديدة في تاريخ معهد العالم العربي، تحدد مساره المستقبلي ودوره في تعزيز التفاهم والحوار بين الثقافات في عالم متغير.


