يتوجه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، اليوم الأربعاء، إلى مدينة جنيف السويسرية، حاملاً في جعبته «مسودة أولية» لاتفاق محتمل، وذلك للمشاركة في جولة ثالثة من المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تأتي في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً ودولياً.
جولة ثالثة ومسودة اتفاق على الطاولة
من المقرر أن تنطلق المحادثات غداً الخميس بوساطة عمانية، حيث يسعى الطرفان لكسر الجمود المستمر في العلاقات. وبحسب المصادر، سيقدم عراقجي نصاً مقترحاً للفريق الأمريكي الذي يضم شخصيات بارزة مقربة من الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب، وهما المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وتأتي هذه الخطوة في محاولة إيرانية استباقية لرسم ملامح المرحلة المقبلة وتجنب التصعيد.
وعلى الرغم من التفاؤل الحذر الذي أبداه عراقجي بتصريحه أن الاتفاق «في المتناول» إذا ما تم تغليب الدبلوماسية، إلا أن تقريراً لمجموعة «إنترناشونال كرايسيس غروب» وصف المهمة بأنها «صعبة للغاية» نظراً لعمق الخلافات المتراكمة بين الجانبين.
سياق تاريخي: خمسة عقود من التوتر
تكتسب هذه الجولة أهمية استثنائية كونها تأتي بعد عقود من القطيعة والعداء العميق الذي ميز العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ عام 1979. وقد شهدت السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، تصعيداً غير مسبوق في سياسة «الضغوط القصوى» والعقوبات الاقتصادية، مما جعل البلدين أقرب من أي وقت مضى إلى حافة نزاع عسكري مباشر، وفقاً لمحللي «كرايسيس غروب».
وتلعب سلطنة عمان دوراً محورياً تاريخياً في تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن، حيث سبق لها استضافة محادثات سرية مهدت للاتفاق النووي لعام 2015، مما يعطي هذه الجولة في جنيف زخماً إضافياً واحتمالية للنجاح رغم التعقيدات.
استراتيجية المسارين: دبلوماسية ومناورات
في الوقت الذي يطير فيه عراقجي إلى جنيف، يمارس النظام الإيراني استراتيجية مزدوجة تجمع بين الليونة الدبلوماسية واستعراض القوة. فقد أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني عن بدء الحرس الثوري مناورات عسكرية واسعة على طول الساحل الجنوبي قبالة الخليج العربي. وتُقرأ هذه التحركات على أنها رسالة مفادها أن طهران تفاوض من موقع قوة، وأنها مستعدة لجميع السيناريوهات، بما في ذلك المواجهة العسكرية.
وفي هذا السياق، حذر نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي، من أن أي هجوم أمريكي سيعد «مقامرة حقيقية»، مؤكداً في الوقت ذاته استعداد بلاده التام لإنجاز اتفاق عادل ومنصف في أسرع وقت ممكن.
نوايا واشنطن ومستقبل المنطقة
يشير المراقبون إلى أن فشل هذه المفاوضات قد يفتح الباب أمام سيناريوهات مجهولة، خاصة مع الغموض الذي يكتنف نوايا واشنطن النهائية. ورغم الحشود العسكرية الأمريكية في الخليج، يميل التحليل السياسي إلى أن الرئيس ترمب يفضل تحقيق «نجاحات سريعة» عبر صفقات سياسية بدلاً من الانخراط في حروب طويلة ومكلفة وفوضوية في الشرق الأوسط، وهو ما قد يشكل أرضية مشتركة للتوصل إلى تسوية مؤقتة على الأقل.


