شهدت العاصمة الليبية طرابلس، فجر اليوم الأربعاء، تصعيداً أمنياً خطيراً أعاد للأذهان مشاهد الانفلات الأمني، حيث أقدمت مجموعات مسلحة على اقتحام مقرات سيادية تابعة للسلطة القضائية، وتحديداً مقر المجلس الأعلى للقضاء ووزارة العدل. هذا الحادث لم يمر مرور الكرام، بل أحدث هزة عنيفة في الأوساط السياسية والقانونية، مما استدعى ردود فعل فورية وجذرية من قبل المؤسسة القضائية.
نقل إدارة التفتيش إلى بنغازي: رد حاسم
في خطوة تعكس حجم الخطر المحدق باستقلالية القضاء في غرب البلاد، أعلن المجلس الأعلى للقضاء بشكل عاجل عبر صفحته الرسمية عن نقل مقر «إدارة التفتيش على الهيئات القضائية» من العاصمة طرابلس إلى مدينة بنغازي في الشرق الليبي. وبرر المجلس قراره بوجود «حالة قوة قاهرة»، في إشارة صريحة إلى عجز الأجهزة الأمنية الرسمية عن حماية المؤسسات القضائية من تغول المجموعات المسلحة، وهو ما يمثل سابقة خطيرة قد تمهد لانقسام مؤسسي جديد.
شلل تام يضرب المحاكم والنيابات
لا تأتي هذه التطورات الأمنية بمعزل عن أزمات أخرى تعصف بالقطاع؛ فبالتزامن مع الاقتحام المسلح، تعيش المحاكم الليبية حالة من الشلل التام. فقد أعلنت النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية تعليق العمل كلياً في كافة المحاكم والنيابات منذ يوم الأحد الماضي. ويأتي هذا الإضراب الشامل للمطالبة بتنفيذ قانون زيادة المرتبات الذي أقره البرلمان الليبي ولم تفعلّه الحكومة حتى الآن، مما وضع المواطن الليبي بين مطرقة الانفلات الأمني وسندان الإضرابات الإدارية.
السياق الأمني والخلفية التاريخية
يأتي هذا الحادث ليعيد تسليط الضوء على المعضلة الأمنية المزمنة التي تعاني منها طرابلس منذ سقوط النظام السابق في عام 2011. فرغم الهدوء النسبي الذي شهدته العاصمة في فترات متقطعة، إلا أن سطوة التشكيلات المسلحة وتداخل صلاحياتها مع مؤسسات الدولة لا تزال تشكل العائق الأكبر أمام قيام دولة القانون. ولطالما كانت المؤسسات السيادية هدفاً لهذه المجموعات، سواء لفرض أجندات سياسية أو لتحقيق مكاسب مالية، مما يضعف شرعية الحكومات المتعاقبة ويظهر عجزها عن بسط سيطرتها الفعلية على الأرض.
تداعيات الحادث ومستقبل القضاء
يحمل اقتحام المجلس الأعلى للقضاء دلالات خطيرة تتجاوز الحدث الآني؛ فهو يهدد وحدة المؤسسة القضائية التي ظلت لسنوات واحدة من المؤسسات القليلة الموحدة في البلاد وسط الانقسام السياسي. إن نقل إدارات حساسة إلى بنغازي قد يعزز من حالة الاستقطاب بين الشرق والغرب، ويضعف ثقة المواطن والمجتمع الدولي في قدرة حكومة الوحدة الوطنية على تأمين المقرات الحيوية. كما أن استمرار إغلاق المحاكم سواء بقوة السلاح أو بالإضرابات يعطل مصالح المواطنين ويهدد السلم الأهلي، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً من العقلاء والجهات الفاعلة لمنع انهيار آخر حصون العدالة في ليبيا.


