رحيل رمز من رموز الفن الشعبي
في نبأ أحزن الأوساط الثقافية والشعبية في منطقة عسير، توفي الفنان وعازف المزمار الشهير، حديش جبان الألمعي، الذي عُرف بلقب «العم حديش»، وذلك إثر أزمة قلبية مفاجئة. ويأتي رحيله ليطوي صفحة مشرقة في تاريخ الموروث الموسيقي لمنطقة جنوب المملكة العربية السعودية، بعد مسيرة فنية طويلة كرسها لخدمة هذا الفن الأصيل، حيث ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بالأهازيج الشعبية والمناسبات الاجتماعية التي شكلت وجدان المنطقة.
المزمار العسيري: تاريخ وهوية ثقافية
يُعد فن المزمار العسيري، الذي برع فيه العم حديش، أحد أقدم الفنون الموسيقية الشعبية في شبه الجزيرة العربية، وتحديداً في المناطق الجبلية كمنطقة عسير. هذه الآلة النفخية الخشبية ليست مجرد أداة موسيقية، بل هي جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمنطقة، وصوت أصيل يعبر عن أفراح الناس واحتفالاتهم. تاريخياً، كان صوت المزمار يرافق الرقصات الشعبية الشهيرة مثل “الخطوة” و”العرضة”، ويُعزف في الأعياد وحفلات الزفاف والمناسبات الوطنية، ليصبح رمزاً للفرح والتكاتف الاجتماعي. وقد أسهم فنانون مثل حديش في الحفاظ على هذا الإرث حياً، ونقله من جيل إلى جيل عبر الممارسة الشفهية والتعليم المباشر، في مواجهة تحديات الحداثة التي تهدد باندثار الكثير من الفنون التقليدية.
مسيرة حافلة بالعطاء
لم يكن العم حديش مجرد عازف، بل كان حافظاً للألحان والأهازيج القديمة ومرجعاً فنياً لأبناء جيله والأجيال الشابة. عُرف بأسلوبه الفريد في العزف، وقدرته على تطويع الآلة لتعبر عن مشاعر مختلفة، مما جعله اسماً لامعاً ومطلوباً في كافة المناسبات. لم يقتصر حضوره على الاحتفالات المحلية في محافظة رجال ألمع التي ينتمي إليها، بل امتد ليشمل مشاركات بارزة في المهرجانات التراثية والوطنية الكبرى، مثل مهرجان الجنادرية وغيره من الفعاليات الثقافية التي تحتفي بالتنوع الفني للمملكة. من خلال هذه المشاركات، عمل حديش سفيراً لفنه، حيث أسهم في تعريف جمهور أوسع بجماليات المزمار العسيري وأصالته، مؤكداً على أنه فن حي يعكس ذاكرة وتاريخ إنسان المنطقة الجنوبية.
أثر الرحيل وأهمية التوثيق
برحيل العم حديش، تفقد الساحة الفنية الشعبية في عسير والوطن أحد أهم أعمدتها. إن رحيله لا يمثل خسارة لعائلته ومحبيه فحسب، بل هو خسارة للتراث الثقافي غير المادي للمملكة. يترك رحيله فراغاً كبيراً، ويؤكد على الأهمية القصوى لتوثيق فنون هؤلاء الرواد وحفظ أعمالهم للأجيال القادمة. لقد ترك العم حديش إرثاً فنياً غنياً وحضوراً إنسانياً دافئاً في ذاكرة كل من عرفه أو استمع إلى أنغامه الشجية، وستبقى ألحانه خالدة تروي حكايات أرض عسير وتراثها العريق.


