في تطور مفاجئ هز الساحة الليبية، أفصح مصدر مقرب من عائلة القذافي عن تسلم قبيلة القذاذفة لجثمان سيف الإسلام القذافي، مؤكداً أن مراسم الدفن ستتم في مدينة سرت. يأتي هذا الإعلان بعد ساعات من حادثة اغتيال نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، في عملية أثارت موجة واسعة من الإدانات والتساؤلات حول تداعياتها على المشهد السياسي والأمني الهش في البلاد.
تكتسب شخصية سيف الإسلام القذافي أهمية خاصة في تاريخ ليبيا الحديث. فبصفته الابن الثاني لمعمر القذافي، لعب دوراً بارزاً خلال فترة حكم والده، حيث كان يُنظر إليه كوجه إصلاحي محتمل ووريث سياسي محتمل. كان له حضور دولي ملحوظ، وحاول تقديم نفسه كشخصية قادرة على تحديث ليبيا وفتحها على العالم. إلا أن دوره تغير بشكل جذري مع اندلاع ثورة فبراير 2011، حيث أصبح من أبرز المدافعين عن نظام والده، قبل أن يتم القبض عليه في نوفمبر 2011. ومنذ ذلك الحين، تباينت الأنباء حول وضعه القانوني ومكان احتجازه، مما أضاف إلى الغموض الذي يحيط بشخصيته حتى لحظة اغتياله.
تأتي هذه الجريمة في وقت حساس للغاية تمر به ليبيا، التي لا تزال تكافح لتجاوز سنوات من الصراع والانقسام السياسي بعد سقوط نظام القذافي. فبعد عقد من الفوضى، تسعى البلاد جاهدة نحو تحقيق المصالحة الوطنية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تنهي حالة عدم الاستقرار. إن اغتيال شخصية بوزن سيف الإسلام القذافي، بغض النظر عن الجدل الذي يحيط به، يمثل ضربة قوية لهذه الجهود، ويهدد بإعادة إشعال فتيل التوترات والانقسامات التي طالما عانت منها البلاد.
وحول تفاصيل الاغتيال المروعة، أفاد المكتب السياسي لسيف الإسلام القذافي بأنه تعرض للهجوم مساء أمس الثلاثاء في منزله بمدينة الزنتان جنوب غربي طرابلس. كان سيف الإسلام صائماً ويتحضر للإفطار في حديقة منزله عندما قفز أربعة مسلحين مجهولين من سور الحديقة وأطلقوا عليه الرصاص. وأكد المصدر أنه كان وحده في الاستراحة أثناء الهجوم، مشيراً إلى أنه لم يكن مهتماً بالحماية الأمنية ويتنقل بسيارة واحدة، مما يثير تساؤلات حول سهولة استهدافه.
في أول رد فعل رسمي، دان رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بشدة عملية الاغتيال، ودعا المجلس في بيان له كل القوى السياسية إلى انتظار نتائج التحقيقات الرسمية. وأكد المجلس متابعته الدقيقة لسير مجريات التحقيق لضمان عدم إفلات المنفذين من العقاب وترسيخ مبدأ المحاسبة. كما عبر عن تفهمه لمصادر القلق المتصاعد في الشارع الليبي، مرحباً بالاستعانة بالدعم الفني والخبرات اللازمة لتعزيز شفافية التحقيقات وتسريع إعلان نتائجها، بما يسهم في تعزيز ثقة الرأي العام.
المجلس الرئاسي لم يكتفِ بالإدانة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن «الهدف من الاغتيال يتمثّل في ضرب الجهود الرامية إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب الليبي قيادته بإرادة مستقلة». هذا التصريح يعكس المخاوف العميقة من أن تكون هذه الجريمة محاولة لعرقلة المسار الديمقراطي والمصالحة الوطنية. وطالب المجلس القوى السياسية والإعلامية والاجتماعية بضبط الخطاب العام ورفض التحريض للحيلولة دون استغلال الجريمة لتحقيق أهداف ترمي إلى تقويض هذه المساعي، مؤكداً أن ليبيا لا تدار بالعنف ولا تبنى بالخوف، وأن القتل خارج إطار القانون مرفوض تماماً.
من جانبها، أكدت النيابة العامة الليبية أن المحققين والأطباء الشرعيين فحصوا الجثة وتوصلوا إلى أنه توفي متأثراً بجروح ناجمة عن طلقات نارية، مشيرة إلى أنها تعمل على تحديد هوية المشتبه بهم واتخاذ الإجراءات اللازمة لرفع دعوى جنائية. إن سرعة الكشف عن الجناة وتقديمهم للعدالة سيكون أمراً حاسماً لتهدئة الأوضاع وتجنب المزيد من التصعيد.
إن دفن جثمان سيف الإسلام في سرت، المدينة التي تحمل رمزية خاصة لعائلة القذافي وكانت آخر معاقل النظام السابق، قد يحمل دلالات إضافية. فبينما تسعى ليبيا لطي صفحة الماضي وبناء مستقبل موحد، فإن مثل هذه الأحداث تذكر بالانقسامات العميقة والتحديات الأمنية التي لا تزال تواجهها. يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن ليبيا من تجاوز هذه المحنة والمضي قدماً نحو الاستقرار، أم أن اغتيال سيف الإسلام القذافي سيفتح فصلاً جديداً من عدم اليقين؟


