في خطوة تعزز مكانة المغرب على خريطة الفنون العالمية، نظمت مؤسسة منتدى أصيلة مؤخراً حفل افتتاح معرض تشكيلي جماعي مبهر برواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة، الواقع في مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية. يأتي هذا الحدث البارز ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي، وقد شهد حضور نخبة متميزة من الفنانين، والمثقفين، والمسؤولين، والمنتخبين المحليين الذين توافدوا للاحتفاء بالإبداع الإنساني.
تاريخ عريق من الإبداع: جذور موسم أصيلة الثقافي الدولي
لم تكن مدينة أصيلة المغربية مجرد مدينة ساحلية هادئة، بل تحولت منذ أواخر السبعينيات إلى عاصمة عالمية للفن والثقافة. انطلق موسم أصيلة الثقافي الدولي لأول مرة في عام 1978، ليصبح منذ ذلك الحين منصة حيوية للحوار الثقافي والدبلوماسية الموازية. على مر العقود، استقطب هذا المهرجان كبار المفكرين والشعراء والتشكيليين من مختلف قارات العالم، حيث تزينت جدران المدينة بجداريات خالدة تعكس تمازج الحضارات. هذا الإرث التاريخي جعل من أصيلة متحفاً مفتوحاً في الهواء الطلق، وملاذاً لكل باحث عن الجمال والإلهام، مما يضفي على أي معرض يقام فيها طابعاً تاريخياً ورمزية ثقافية عميقة.
تفاصيل معرض “تشكيليات فصول أصيلة 25”
يحمل المعرض الحالي اسم «تشكيليات فصول أصيلة 25»، وينظم في إطار الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي السابع والأربعين، حيث من المقرر أن تمتد فعالياته حتى أول يوليو 2026. يضم هذا المعرض الفريد المجموعة الخاصة للأعمال الفنية التابعة لمؤسسة منتدى أصيلة، والتي تم إنجازها بشغف وإتقان خلال مختلف الإقامات الفنية التي احتضنتها المدينة طيلة سنة 2025. وتنعقد هذه الدورة تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، بشراكة استراتيجية مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وجماعة (بلدية) أصيلة.
يتميز المعرض بتنوعه الثقافي الواسع، حيث يشارك فيه 25 فناناً وفنانة يمثلون مدارس فنية متعددة. تشمل قائمة المشاركين مبدعين من البحرين (لبنى الأمين)، وسورية (علي علي سلطان، خالد الساعي، ناصر حسين)، والأردن (هيلدا حياري)، وتونس (ريم العياري)، وإسبانيا (خيمينا تيرسيرو)، وكوت ديفوار (ميدوريك توراي). بالإضافة إلى حضور وازن للفنانين المغاربة، نذكر منهم: حسين الميموني، عبدالرفيع الكدالي، بشير أمل، صلاح بنجكان، عبداللطيف العسري، عبدالقادر المليحي، سهيل بنعزوز، معاذ الجباري، محمد عنزاوي، نرجس الجباري، شعة الخراز ديكنز، سوسن المليحي، طارق فيطح، يوسف الخريب، نوال عمور، وياسمين ديكنز.
لمسة وفاء للفنانة الراحلة نجوى الهيتمي
في التفاتة إنسانية وفنية نبيلة، عرف المعرض تخصيص جناح خاص للفنانة التشكيلية المغربية الراحلة نجوى الهيتمي، التي وافتها المنية في منتصف شهر أغسطس 2025. جاء هذا التكريم عرفاناً بمشاركاتها العديدة والمتميزة في مواسم أصيلة السابقة، والتي كان آخرها الدورة الربيعية لسنة 2025، وقد تم هذا الاحتفاء بحضور مؤثر لأفراد من أسرتها ومحبي فنها.
الأثر الفني والثقافي لفعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي
تتجاوز أهمية موسم أصيلة الثقافي الدولي مجرد عرض اللوحات، لتمتد إلى خلق تأثيرات عميقة على مستويات عدة. محلياً، يساهم المهرجان في إنعاش الحركة الاقتصادية والسياحية للمدينة، ويفتح آفاقاً واسعة أمام الشباب والأطفال لاكتشاف مواهبهم وتطويرها. أما على الصعيد الإقليمي، فيعتبر المهرجان جسراً للتواصل بين الثقافات العربية والإفريقية، مما يعزز من مكانة المغرب كملتقى للحضارات. ودولياً، يرسخ هذا الحدث قيم التسامح والسلام من خلال لغة الفن العالمية، مقدماً نموذجاً يحتذى به في الدبلوماسية الثقافية التي تجمع ما تفرقه السياسة.
ورشات فنية وإبداعية في الدورة الربيعية
تجدر الإشارة كذلك إلى أن الدورة الربيعية لهذا العام، والتي تنظم في الفترة ما بين 27 مارس و12 أبريل 2026، تستضيف خلالها مؤسسة منتدى أصيلة 16 فناناً وفنانة من البحرين، وسورية، وإسبانيا، وبلجيكا، وإيطاليا، والمغرب. يشاركون جميعاً في مشاغل الصباغة، والليتوغرافيا، وفن الحفر. وإيماناً بأهمية نقل المعرفة للأجيال القادمة، يتزامن ذلك مع تنظيم مشغل مواهب الطفل، وورشة متخصصة في كتابة وإبداع الطفل، مما يضمن استمرارية الشعلة الفنية في هذه المدينة العريقة.


