شهدت منطقة القوقاز تطوراً أمنياً لافتاً أعاد إشعال فتيل التوتر بين باكو وطهران، عقب سقوط طائرات مسيّرة داخل إقليم ناخيتشفان الأذربيجاني ذي الحكم الذاتي، والمحاذي للحدود الإيرانية. هذا الحادث دفع الرئيس الأذربيجاني إلى التلويح بإجراءات «ثأرية» غير مسبوقة، وسط مخاوف دولية من انزلاق المنطقة نحو مواجهة مباشرة.
علييف: الرد سيكون حاسماً

في لهجة شديدة الصرامة، أكد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف خلال اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي، أن بلاده «لن تتسامح مع هذا العمل الإرهابي والعدواني غير المبرر». وأعلن علييف رفع درجة التأهب للقوات المسلحة إلى «حالة استعدادات قتالية قصوى» تمهيداً لتنفيذ عمليات ردع محتملة.
وكشف الرئيس الأذربيجاني عن مفارقة سياسية، مشيراً إلى أن باكو استجابت مؤخراً لطلب إيراني للمساعدة في إجلاء بعثتها الدبلوماسية من بيروت وتحملت التكاليف، ليأتي هذا «القصف» كمكافأة عكسية، واصفاً الأمر بأنه «وصمة عار لن تمحى».
الخلفية الجيوسياسية للتوتر
لا يمكن فصل هذا الحادث عن سياق العلاقات المعقدة بين البلدين. فإقليم ناخيتشفان، الذي تعرض للهجوم، يعتبر منطقة استراتيجية حساسة تفصل بين إيران وأرمينيا وتركيا. ولطالما نظرت طهران بعين الريبة إلى التعاون العسكري المتنامي بين أذربيجان وإسرائيل، حيث تتهم إيران جارتها الشمالية بالسماح لتل أبيب باستخدام أراضيها لأغراض استخباراتية، وهو ما تنفيه باكو باستمرار.
ويأتي هذا التصعيد في وقت حساس إقليمياً، حيث تسعى أذربيجان لتثبيت مكاسبها بعد حرب قره باغ، بينما تخشى إيران من أي تغييرات جيوسياسية قد تؤثر على حدودها مع أرمينيا أو على طرق التجارة الدولية.
تفاصيل الهجوم والخسائر
ميدانياً، أفادت السلطات الأذربيجانية بأن المسيّرات استهدفت بنى تحتية مدنية حيوية. وقد أصابت إحدى الطائرات مبنى الركاب في مطار ناخيتشفان الدولي، الواقع على بعد 10 كيلومترات فقط من الحدود الإيرانية، فيما سقطت أخرى بالقرب من مدرسة في قرية شكر آباد. وأسفر الهجوم عن إصابة 4 أشخاص نُقلوا لتلقي العلاج، وفقاً لبيانات وزارة الصحة المحلية.
تداعيات اقتصادية وإغلاق المعابر
كرد فعل فوري، أغلقت أذربيجان مجالها الجوي الجنوبي لمدة 12 ساعة، وأوقفت حركة الشحنات عبر المعابر الحدودية مع إيران. هذه الخطوة تحمل أبعاداً اقتصادية مؤثرة، إذ يُعد هذا المسار جزءاً من شريان النقل البري الحيوي الذي يربط إيران بروسيا، مما قد يتسبب في تعطيل سلاسل الإمداد والتجارة البينية في وقت تعاني فيه المنطقة من اضطرابات اقتصادية.
طهران تتبرأ وتتهم «الطرف الثالث»
في المقابل، سارعت طهران إلى نفي مسؤوليتها المطلقة عن الحادث. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لنظيره الأذربيجاني أن بلاده لم تنفذ أي عمليات عدائية، معلناً فتح تحقيق شامل.
ووجهت هيئة الأركان الإيرانية أصابع الاتهام مباشرة إلى إسرائيل، معتبرة أن ما حدث هو «عملية خداع» تهدف إلى زرع الفتنة وتخريب العلاقات بين الدول الإسلامية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.


