أعلنت الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (BAFTA) عن ترشيحات جوائزها المرموقة لعام 2024، كاشفة عن قائمة مثيرة من الأفلام والمواهب التي تتنافس على التكريم في أحد أهم المحافل السينمائية العالمية. ورغم أن فيلم Sinners (سينرز) كان قد صنع التاريخ الأسبوع الماضي بحصوله على 16 ترشيحاً لجوائز الأوسكار، إلا أن منافسه القوي في موسم الجوائز، فيلم One Battle After Another (معركة بعد أخرى)، تصدر ترشيحات بافتا بفارق ضئيل، مما يمهد لموسم جوائز حافل بالمنافسة.
جذور الأكاديمية البريطانية: تاريخ عريق وتأثير عالمي
تأسست الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون في عام 1947 تحت اسم “الأكاديمية البريطانية للأفلام”، بهدف تكريم ودعم التميز في الفنون السينمائية والتلفزيونية. على مر العقود، تطورت بافتا لتصبح واحدة من أبرز الجوائز السينمائية في العالم، ليس فقط في المملكة المتحدة ولكن على الساحة الدولية. تُعرف جوائز بافتا بأنها مؤشر قوي لنتائج جوائز الأوسكار، خاصة فيما يتعلق بالأفلام غير الأمريكية والمواهب العالمية، مما يضفي عليها ثقلاً خاصاً في موسم الجوائز السنوي. تعكس هذه الجوائز التزام بريطانيا العريق بالثقافة والفنون، وتلعب دوراً محورياً في تشكيل المشهد السينمائي العالمي.
هيمنة الأفلام الكبرى وتنافس محتدم
وفقاً لصحيفة «الغارديان»، يتصدر فيلم بول توماس أندرسون، وهو كوميديا ذات طابع ثقافي مضاد، قائمة المنافسة بـ14 ترشيحاً، مما يؤكد حضوره القوي في المشهد السينمائي لهذا العام. يليه عن كثب فيلم مصاصي الدماء للمخرج رايان كوغلر بـ13 ترشيحاً، مما يشير إلى تنوع الأعمال المرشحة وجودتها العالية. وجاء في المرتبة التالية فيلما Marty Supreme وHamnet بـ11 ترشيحاً لكل منهما، بينما حصل Frankenstein وSentimental Value على ثمانية ترشيحات لكل فيلم، مما يبرز التنافس الشديد بين كبار الإنتاجات.
مفاجآت بريطانية وحضور لافت للمواهب المحلية
شهدت قائمة الترشيحات هذا العام مفاجآت سارة، أبرزها الفيلم البريطاني الكوميدي عن متلازمة توريت Swear، الذي حقق حضوراً لافتاً بخمسة ترشيحات، من بينها ترشيح أفضل ممثل لروبرت أرامايو. كما نال فيلم الكوميديا والدراما الموسيقية البريطانية The Ballad of Wallis Island ثلاثة ترشيحات، مما يؤكد على حيوية وتنوع الإنتاج السينمائي البريطاني وقدرته على المنافسة عالمياً. هذه الترشيحات لا تقتصر على تكريم الأفلام فحسب، بل تسلط الضوء أيضاً على المواهب البريطانية الصاعدة والراسخة، مما يعزز مكانة المملكة المتحدة كمركز للإبداع السينمائي.
غياب الصدمات الكبرى وتوسيع قاعدة الترشيح
تميزت قائمة الترشيحات هذا العام بخلوها إلى حد كبير من «الاستبعادات الصادمة»، ويعزى ذلك جزئياً إلى اعتماد «بافتا» ستة مرشحين في فئات التمثيل بدلاً من خمسة في جوائز الأوسكار، مما أتاح المجال لأسماء بارزة مثل بول ميسكال عن فيلم Hamnet للحصول على التقدير المستحق. أما فيلم Wicked: For Good، الذي خرج خالي الوفاض من ترشيحات الأوسكار، فقد حقق حضوراً متواضعاً في «بافتا» بترشيحين في تصميم الأزياء وتصفيف الشعر والمكياج، دون أي ترشيحات لبطلتَيه سينثيا إريفو وأريانا غراندي. ومن بين النجوم الذين غابوا عن الترشيحات أيضاً: جينيفر لورنس، جورج كلوني، سيدني سويني، دواين جونسون، جوليا روبرتس، مما يعكس شدة المنافسة وتفضيلات الأكاديمية.
ليوناردو دي كابريو يعادل رقماً قياسياً تاريخياً
في إنجاز لافت، عادل النجم العالمي ليوناردو دي كابريو رقماً قياسياً تاريخياً في «بافتا» بترشيحه السابع في فئة أفضل ممثل، ليضع اسمه إلى جانب أساطير السينما مثل مايكل كين، دانيال داي لويس، لورنس أوليفييه، وجاك ليمون. ورغم أنه يُعد المرشح الثاني الأوفر حظاً لجائزة أفضل ممثل بعد تيموثي شالاميه عن Marty Supreme، فإن هذا الإنجاز يؤكد على مسيرته الفنية الاستثنائية. وبالنظر إلى عمره وإنتاجه الفني المستمر، يبدو دي كابريو الأكثر ترجيحاً لتجاوز هذا الرقم مستقبلاً، ليتربع على عرش أكثر الممثلين ترشيحاً في تاريخ الجائزة.
نجم صاعد من «صراع العروش» يبرز في بافتا
يُعد روبرت أرامايو الحصان الأسود في سباق أفضل ممثل هذا العام. هذا الترشيح يمثل دفعة قوية لمسيرة الممثل البالغ 33 عاماً، المعروف سابقاً بدوره كـ«نيد ستارك الشاب» في مسلسل Game of Thrones الشهير. يجسد أرامايو في فيلم I Swear شخصية الناشط الأسكتلندي الرائد في التوعية بمتلازمة توريت، جون ديفيدسون، مقدماً أداءً نال استحسان النقاد. كما ينافس الفيلم على جوائز أفضل فيلم بريطاني، والسيناريو الأصلي، وأفضل ممثل مساعد (بيتر مولان)، وجائزة اختيار الممثلين، مما يؤكد على جودته الشاملة.
تأثير جوائز بافتا: محلياً وعالمياً
تتجاوز أهمية جوائز بافتا مجرد تكريم الأفلام والممثلين؛ فهي تلعب دوراً حيوياً في دعم صناعة السينما البريطانية، حيث توفر منصة عالمية للمواهب المحلية وتشجع على الاستثمار في الإنتاجات البريطانية. على الصعيد العالمي، تؤثر ترشيحات بافتا بشكل كبير على زخم الأفلام في موسم الجوائز، وتعد مؤشراً قوياً لجوائز الأوسكار، مما يزيد من فرص الأفلام المرشحة في تحقيق نجاح تجاري ونقدي أوسع. كما تساهم هذه الجوائز في تعزيز التبادل الثقافي وتسليط الضوء على القصص المتنوعة من جميع أنحاء العالم، مما يثري المشهد السينمائي العالمي.
التزام بافتا بالتنوع: طريق لا يزال طويلاً
من جانبها، أكدت رئيسة «بافتا» سارا بت أن نجاح هذه الأفلام يعكس شغف الجمهور بالقصص الإنسانية الصادقة التي تلامس التجربة الحياتية، مشيرة إلى أن هيمنة أفلام مثل Sinners وOne Battle After Another تشير إلى بحث المشاهدين عن نقاط تواصل في «عالم منقسم ومربك». ورغم ميل الترشيحات هذا العام نسبياً لصالح الإنتاجات البريطانية، فإن أغلب المرشحين الرئيسيين في فئات التمثيل والإخراج ليسوا بريطانيين، كما أن اثنين فقط من المرشحين للإخراج ليسوا من البيض، وكانت كلوي تشاو المرأة الوحيدة بينهم. أقرت بت بأن النتائج «تُظهر أن الطريق لا يزال طويلاً أمام المخرجات»، مؤكدة أهمية الإجراءات التي تعتمدها «بافتا» منذ عام 2020 لضمان التنوع والشمولية منذ مرحلة القوائم الطويلة، في سعي مستمر لجعل الصناعة أكثر تمثيلاً وعدلاً.
مواعيد الحفل المرتقبة
من المقرر إقامة حفل توزيع جوائز «بافتا» في 22 فبراير، وسيقدمه هذا العام الممثل الشهير آلان كومينغ خلفاً لديفيد تينانت. أما حفل جوائز الأوسكار، فسيقام بعد ذلك بثلاثة أسابيع، في 15 مارس، وسيقدمه للمرة الثانية الكوميدي كونان أوبراين، مما يعد بموسم جوائز مليء بالترقب والإثارة.


