أكد أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا، أن العالم يمر حاليًا بفترة حرجة تتسم باضطرابات سياسية وتجارية متزايدة، مما يلقي بظلال من عدم اليقين على المشهد الاقتصادي العالمي. جاءت تصريحات بيلي خلال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، حيث شدد على أن الأسواق العالمية تواجه تحديات جمة في الوقت الراهن، على الرغم من المرونة الكبيرة التي أظهرها الاقتصاد العالمي في التعامل مع التحولات خلال السنوات القليلة الماضية. هذه التصريحات تعكس قلقًا متزايدًا بين صناع السياسات المالية بشأن التحديات المعقدة التي تواجه النمو والاستقرار الاقتصادي.
لم تكن هذه الاضطرابات وليدة اللحظة، بل هي تتويج لسلسلة من الأحداث العالمية التي بدأت بتداعيات جائحة كوفيد-19، التي كشفت عن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وأدت إلى موجات تضخمية غير مسبوقة. تبع ذلك تصاعد التوترات الجيوسياسية، مثل الحرب في أوكرانيا والصراعات الإقليمية الأخرى، التي أثرت بشكل مباشر على أسعار الطاقة والغذاء، وزادت من الضغوط التضخمية. هذه الأحداث دفعت البنوك المركزية حول العالم، بما في ذلك بنك إنجلترا، إلى اتخاذ إجراءات صارمة لتهدئة التضخم، أبرزها رفع أسعار الفائدة بشكل متتالٍ، مما أضاف طبقة أخرى من التعقيد على بيئة الأعمال والاستثمار. إن التحول من عقود من العولمة المتسارعة إلى نزعات حمائية متزايدة يمثل تحديًا هيكليًا للاقتصاد العالمي.
أوضح بيلي أن تكلفة المعيشة المرتفعة والظروف السائدة في الأسواق تمثل قضايا محورية، خاصة في ظل التعرض المستمر للمخاطر الاقتصادية وضرورة البحث عن الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا المتاحة. وأشار إلى أن الأسواق أصبحت أكثر حذرًا في إدارة التحولات الاقتصادية على المستوى العالمي، لافتًا إلى أن هذه الإجراءات تؤثر في بعض الحالات بشكل مباشر على الأسواق المالية. هذا الحذر يعكس تزايد المخاوف بشأن الاستقرار المالي في ظل التقلبات الشديدة.
تطرق محافظ بنك إنجلترا إلى أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يمثل تحديًا جديدًا للاقتصاد العالمي، نظرًا لتأثيره المحتمل على آليات عمل الأسواق وهياكل الوظائف. فبينما يعد الذكاء الاصطناعي محركًا للإنتاجية والابتكار، فإنه يثير أيضًا تساؤلات حول مستقبل العمل، والحاجة إلى إعادة تأهيل القوى العاملة، والمخاطر المتعلقة بالاستقرار المالي إذا لم تتم إدارته بشكل فعال.
بالإضافة إلى ذلك، أكد بيلي أن الحمائية التجارية وفرض الرسوم الجمركية قد أديا إلى تفاقم الاضطرابات السياسية والتجارية، مما أثر سلبًا على السياسات المالية العالمية. هذه السياسات الحمائية تعيق التدفق الحر للسلع والخدمات، وتزيد من تكاليف الإنتاج، وتؤدي إلى تشرذم الاقتصاد العالمي، مما يجعل التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة.
تكتسب تصريحات محافظ بنك إنجلترا أهمية خاصة كونها صادرة عن مسؤول رفيع في أحد أهم البنوك المركزية عالميًا، وفي سياق مؤتمر يركز على الأسواق الناشئة. هذه الأسواق غالبًا ما تكون الأكثر عرضة لتأثيرات الاضطرابات العالمية، سواء كانت سياسية أو تجارية أو مالية. فتقلبات أسعار السلع، وتغيرات أسعار الفائدة العالمية، وتدفقات رؤوس الأموال، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على استقرارها ونموها. إن التحذير من الاضطرابات يدعو إلى مزيد من التعاون الدولي والتنسيق بين السياسات الاقتصادية لمواجهة هذه التحديات المشتركة، والعمل على بناء أنظمة اقتصادية أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية. كما يسلط الضوء على ضرورة تبني استراتيجيات طويلة الأجل لتعزيز التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على مصادر دخل أو أسواق محدودة.
في الختام، فإن رؤية أندرو بيلي تعكس واقعًا اقتصاديًا عالميًا معقدًا يتطلب يقظة مستمرة وتكيفًا سريعًا من قبل الحكومات والبنوك المركزية والشركات على حد سواء. إن فهم هذه الاضطرابات والتحديات، من التوترات الجيوسياسية إلى صعود الذكاء الاصطناعي، هو الخطوة الأولى نحو صياغة استجابات فعالة تضمن الاستقرار والنمو المستدام في عالم يتسم بعدم اليقين.


